ضاعت الطفولة


ضاعت الطفولة
ضاعت الطفولة بين ميوعة الإعلام
ولا مبالاة مؤسّسات المجتمع المدني

كلّما حدث تعدي على الطفولة بأي شكل من الأشكال إلاّ وافتعل الإعلام عموما وإعلام المجاري بصفة مخصوصة، زوبعة شبيهة بزوبعة في فنجان وعاصفة من النّقد دون ملامسة الأسباب الموضوعيّة المؤدّية لانتشار مثل هذه الرّذائل وهذه الممارسات الخبيثة. على إثر انتشار خبر محاولة اغتصاب تلميذين (وليس تنفيذ عمليّة اغتصاب كما أشيع في الإعلام) برزت وسائل الإعلام (وخاصّة قناة نسمة) على طريقة « برز الثعلب يوما في شعار الواعظين » كما جاء في قصيدة لأحمد شوقي وطفقت تفسّر الأمر على طريقة الثعالب. وتبعا لذلك فقد أرجعت السبب الرئيسي إلى تقصير المؤسّسة التربوية وخاصّة مدير المدرسة في الإحاطة بالتّلاميذ في أوقات الفراغ وعند غياب معلّميهم عن الفصل. في حين أنّ الأمر لا يعدو أن يكون نتيجة حتمية لما تمّ ترويجه من ثقافة الفساد والإفساد طيلة عهد الاستبداد. فالمسؤولية عندئذ مشتركة وهي في تقديري المتواضع ذات ثلاثة أبعاد ، تترجمها مسؤوليات كلّ من الدولة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.
المسؤولية الأولي : تقع على عاتق الدّولة سواء كان ذلك على مستوى وضع الإطار التشريعي والقانوني أو على مستوى المتابعة والتنفيذ. فرغم أننا دولة إسلامية كان من المفترض ان تستمدّ تاريخها وثقافتها وتراثها وهويتها من معين حضارتنا العربية الإسلامية إلاّ أنّ مسؤولي دولة الاستقلال تنكّروا لتاريخ و ثقافة وهوية البلاد والعباد واستندوا إلى قوانين، لا تلائم بيئتنا، استوردوها من وراء البحار. وهنا يحقّ لي أن أتساءل، كيف يمكن لنا أن نقضي على ظاهرة اغتصاب الأطفال ودولتنا تستورد لنا قوانين لمجابهة هذه الظاهرة من دول لا تعير للجانب الأخلاقي أي اعتبار بل وتجيز الشذوذ الجنسي وتتبنّى الزواج المثلي ؟ فلو التفت المسؤولون قليلا إلى الفقه الإسلامي ولم ينظروا إليه بعين الريبة والتوجّس ونهلوا منه ولو النزر القليل لتمكّنوا في ظرف وجيز من محاصرة ظاهرة الاغتصاب والتحرّش والشذوذ وكلّ الظواهر الخبيثة بصفة شبه كلّية. ولا يفوتنا ان نشير في هذا الصدد أنّ الظّروف والوضعيات السّيّئة جدّا التي تعاني منها السّجون من اكتظاظ شديد ونقص في التأطير والإحاطة بالمساجين إلى درجة الإهمال أحيانا و وضع بل و »تكديس » مختلف المساجين على بعضهم البعض في غرفة واحدة، هي عوامل تساعد بالتأكيد على بروز وشيوع ظاهرة الاغتصاب. فقد يودع السّجن من كان متهما بجريمة سرقة أو تسكّع ثمّ يخرج منه بعد أن تعلّم ومارس عديد الجرائم الأخرى من مثل الشذوذ الجنسي وتعاطي المخدّرات. و يكون السجن عندئذ وكرا من أوكار الفساد ومدرسة رسميّة لتخريج المجرمين بمختلف اصنافهم. وهؤلاء جميعا ليسوا إلّا قنبلة موقوتة داخل المجتمع قد تنفجر عليه في أي لحظة كما هو الحال بالنسبة للقضيّة التي نحن بصددها.
المسؤولية الثّانية : تقع على عاتق مؤسّسات المجتمع المدني من جمعيات ومنظّمات ومؤسّسات رقابية وتأطيريه تعنى بالطّفولة. و ما يلفت الإنتباه في هذا السياق أنّه ليست لنا تقاليد راسخة في هذا المضمار. كما أنّه ليست لنا مؤسّسات قويّة يمكن أن تلفت انتباه النّاس إلى كلّ المحاذير الضّرورية لتجنّب الوقوع بين براثن هذه الآفات الخبيثة. ففي ظلّ الاستبداد كثر عدد هذه المؤسّسات وانحسر دورها : ترى جعجعة ولا ترى طحينا. ولا تبرز هذه المؤسّسات وتتصدّر المشهد إلاّ إذا تعلّق الأمر بوليّ ضرب ابنه أو بمعلّم حاول تأديب تلميذ أو بولي حاول تأديب ابنته بعد أن رجعت إلى البيت متأخّرة. فعندها تقوم الدنيا ولا تقعد وتنصب الموائد المستديرة في الفضائيات ويستدعى لها المشرفون على هذه المؤسّسات. أمّا في غير هذه المواعيد فهم غائبون عن الساحة بل ونائمون.
المسؤولية الثّالثة : تقع على عاتق الإعلام وخاصّة إعلام العري والعار. فهذا الإعلام مسؤول بدرجة كبيرة عن هذه المآسي التي تحدث من حين إلى آخر لطفولتنا ولأطفالنا. وهو شبيه بمن يقتل القتيل ثمّ يملأ الدنيا صراخا وعويلا وحزنا عليه بل ويحضر جنازته في الصفوف الاولى. نعم إنّ الأفعال والسّلوكيات الخبيثة هي أمراض نفسية وسلوكيات مرضية ولكنّها لا تصيبنا ولا تنزل علينا من السّماء بدون سبب. لأنّها ببساطة وليدة عوامل متعدّدة ومنها ما روّجه إعلام العار من سلوكيات مرضية وظواهر خبيثة ومن كلام بذيء ومن عري وصور خليعة وتحرّش جنسي ولقطات فاضحة على مدار السّاعة باللّيل والنهار. قال الله تعالى « والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ». فالفساد الأخلاقي لا ينشأ هكذا من تلقاء نفسه بدون سبب وإنّما ينشأ في بيئة حاضنة له وتمدّه بأسباب الانتشار. فما نلاحظه في تلفزاتنا الوطنيّة العمومية والخاصة على حدّ السواء هو عدم تجانس المسلسلات القليلة جدّا التي ننتجها بمناسبة حلول شهر رمضان مع طبيعة هذا الشهر المتّسم بالتقوى والرّحمة و الصيام والقيام. لأنّ هذه المسلسلات تفاجئنا -للأسف الشديد- بعديد اللّقطات الفاضحة والخليعة : ممثّلات كاسيات عاريات مائلات مميلات ومفتوحات على كلّ أنواع الإغراءات من تبادل قبلات مع الممثّلين وإيحاءات جنسية ولقطات تجمع بين الزوج وزوجته في لباس خفيف وهما يتجاذبان أطراف الحديث ويستعدّان للنوم. وكأنّ المشاهدين أغبياء لا يفهمون إلاّ باللّقطات البهيمية وبتحريك الغرائز وبالصّور الخادشة للحياء. إنّي لأعجب لهؤلاء الممثّلين كيف يعيدون هذه اللّقطات عديد المرّات ليشاهدها أبناءهم وآباءهم !!! ولأنّ هذه المسلسلات يغلب عليها الطّابع الهزلي فإنّ الأطفال يقبلون عليها وعلى مشاهدتها وخاصّة عند إعادة بثّها على مدار السّنة. فلماذا تبتزّنا قنواتنا وتبتزّ أطفالنا وتبيعنا وتبيعهم ضحكا على حساب القيم ؟ ولماذا لا تترك قنواتنا أطفالنا يعيشون فترة الطّفولة والبراءة وهم مرتاحي البال. ولماذا لا تتركهم ينضجون على مهل ؟ ولماذا تطمس فطرتهم منذ البداية وتسرق منهم براءتهم وتحدث في نفوسهم جروحا بليغة وعميقة تخترق لا وعيهم ولا شعورهم وتكون منطلقا لتسرّب كلّ أنواع الرذائل من تحرّش وزنا وفاحشة واغتصاب، لا بل وتكون تربة صالحة لتهيئة الطّفل نفسانيا للتعايش مع الظّواهر السلبية والسّلوكيات المرضية. فنشأة الطّفل على التّمرّد على الحياء ومظاهر الحياء قد يفتح الباب على كلّ الاحتمالات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح ، فاصنع ما شئت » رواه البخاري.
يعيش المرء ما أستحيا كريماً … ويبقى العود ما بقي اللحاء

           .وما في أن يعيش المرء خيراً … إذا ما المرء فارقه الحياء
إنّي أتساءل في نهاية التحليل عمّا إذا كان يعقل أن نربّي أبناءنا على الميوعة والتفسّخ الأخلاقي و « قلّة الحياء » وعلى مشاهدة القبلات واللّقطات الفاضحة والمريبة ثمّ نطلب منهم عندما يكبرون أن يلتزموا بالأخلاق الفاضلة وأن لا ينخرطوا بشكل من الأشكال في عمليات اغتصاب وتحرّش وفاحشة ؟ وكأنّنا عندما نفعل ذلك نقول لهم : لا بأس من أن تقترفوا ما بدا لكم من الأعمال التي كنّا نجيز لكم فعلها ومشاهدتها في حضورنا أو في غيابنا. ولكن ليكن ذلك بالتراضي وليس عن طريق الغصب والاغتصاب ! ! ! فقنواتنا غضبت وندّدت واستنكرت واستنفرت النّاس ليس لأنّ أعمال التحرّش والزّنا ومقدّمات الزّنا وإتيان الفاحشة هي أعمال مدانة شرعا وقانونا وعرفا، ذلك أنّ هذه القنوات ذاتها تروّج لهذه الأعمال باللّيل والنهار و في السرّ والعلن و « عيني عينك » و »بصحة رقعة » منذ زمن بعيد. بل فقط لأنّ هذه الأفعال حصلت عن طريق الإكراه والغصب والاغتصاب وليس عن طريق التراضي. إنّ قنوات العري والعار هذه لا تقبل منافسة من أحد، وتريد أن تحتكر وتستأثر بكلّ شيء حتى وإن تعلّق الأمر بالاغتصاب.
منجي المازني

غزّة تعيش حالة اختصار التاريخ والجغرافيا


 

لا شكّ أنّ الحرب على غزّة قد أدمت قلوب المستضعفين في الأرض بل وقلوب أحرار العالم بأسره وكل المنتمين إلى الإنسانية بأي صلة من الصّلات مهما كانت ضعيفة. وكيف لا تدمى قلوبهم ولا تهتزّ نفوسهم لهول ما يرون ولهول ما يشاهدون ؟! وكيف لا يهتزّ وجدانهم وهم يشاهدون المساكن تسقط وتنفجر على رؤوس أصحابها على مدار الساعة ؟! وكيف لا تهتزّ نفوسهم وهم يشاهدون الأشلاء تتطاير من هول الانفجارات ؟! وهم يشاهدون الجثث المتفحّمة والوجوه المشوّهة والأطراف المقطوعة والمتناثرة بين الركام ؟ وكيف لا يتأثرون ولا يهتزّ كيانهم وهم يرون كيف تباد عائلات بأكملها في لحظة زمن ؟ وهم يرون كيف تفقد الأمّ كلّ أولادها وكلّ حلمها في لحظة زمن ؟ وكيف لا تنخلع نفوسهم وهم يرون كيف تتجمّع وتستجمع كلّ جرائم الإنسانية وتختصر وترتكب في لحظة زمن ؟ وكيف تختصر كلّ مآسي الإنسانية وتنزل على غزّة في لحظة زمن ؟

فلقد أصبح العالم يعيش في زمن الاختصار. اختصار التاريخ والجغرافيا بأتمّ معنى الكلمة. فكلّ أحقاد الصهاينة وكلّ أحقاد الحاقدين والمستكبرين والمرضى والجاحدين على مدى التاريخ منذ فجر التاريخ وإلى يوم النّاس هذا جمّعت واستجمعت في قلوب الصهاينة المتحجّرة فزادتها حقدا على حقد وغلّا على غلّ، ثم اختصرت واستودعت في صواريخ، وألقيت بحقد شديد على أرض اختصرت كل الجغرافيا واختصرت كلّ آمال البشرية في التحرّر من الظلم والاستبداد والاستكبار العالمي وفي التحرّر من حقد وجنون الحاقدين والمجانين.

تعيش غزّة اليوم إذن مأساة حقيقية وكارثة فظيعة بكلّ مقاييس المأساة. وهذه لعمري وصمة عار على جبين الإنسانية قاطبة. هذه الإنسانية التي تمرّ اليوم بأزمة أخلاقية حادّة. فمأساة غزّة هي في الحقيقة انعكاس لما تتخبّط فيه الإنسانية من جاهلية جهلاء ومن انهيار مدوّ لصرح الأخلاق والقيم. فحتى أيام الجاهلية الأولى يوم كانوا يئدون الموؤودة لم يحدث أن استجار نفر ،يحاصرون ويذبّحون، بكبار القوم دون أن يجيروهم ودون أن ينتصروا لهم ويردعوا الجلّاد. واليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين نرى بأمّ العين كيف يستغيث أطفال ونساء غزّة ،كبار القوم ليلا نهارا، ولا من مجيب ! ! ! ولقد صدق الشاعر عندما قال :

أسمعت لو ناديت حيّا ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

لقد غمس الجميع رؤوسهم في التراب وهم ينتظرون انتهاء المشهد المأساوي لكي يرفعوا رؤوسهم تماما كما تفعل النعامة ! ! !

لقد نفّذ إذن بني صهيون ومجرمو العالم جرائمهم الفظيعة في غزّة ودمّروا أحياءا بأكملها وقتلوا وقتّلوا عائلات عن بكرة أبيها ثم تعذّروا بتعلّة نسف الأنفاق ومحاصرة ومحاربة الإرهابيين والمتطرّفين والصابئين. وتعذّروا في ذلك بكلّ أعذار المستكبرين والحاقدين والجاحدين على مرّ العصور. ولكن غزّة هاشم وغزّة الصمود وغزّة الإباء والعزّة وبفضل صمودها وصمود مجاهديها الأسطوري وشعبها المرابط تمكّنت من فضحهم وفضح جرائمهم الفظيعة والبشعة وعلى المباشر عبر أغلب وسائل الإعلام وأبلغتها إلى كلّ العالم. كما أنّها فضحت كلّ طغاة العالم العربي المنقلبين على الرّبيع العربي ثمّ هي فضحت كذلك قادة العالم « المتحضّر » الذي صدّع آذاننا ليلا نهارا بخطبه الرّنّانة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وخصوصا حقوق الطفل.

وكما يقول المفكّرون والمحلّلون السياسيون عبر العالم : لو لم ينقلب الإنقلابيون في مصر على الشرعية لما حصلت هذه الحرب وهذه الكارثة أو على الأقل لما حصلت بهذه القسوة وهذه الوحشية البربرية. وهذا دليل آخر على أنّ الانقلابيين في كلّ الدول العربية ليسوا من طينة هذه الأمّة. لذلك لا يجب أن يستأمنوا على هذه الأمّة ولا يمكن أن يصبحوا ممثّلين عنها بأية حال.

لذلك يمكن الاستنتاج بأنّ مسار الربيع العربي ومسار كفاح الشعب الفلسطيني هما وجهان لمسار واحد وأوحد. ولا يمكن تحرير فلسطين من براثن الصهاينة وبراثن الاستكبار العالمي دون تحرير الشعوب العربية وتوحيدها. ويوم ينتصر الرّبيع العربي سيزهر بالتأكيد في فلسطين وسيعانق بالتأكيد ربيع المقاومة الفلسطينية. ومن فلسطين ستختصر المسافات وسينطلق بإذن الله الربيع العالمي لتحرير الإنسانية من براثن أعداء الإنسانية الذين خانوا الأمانة لمّا سادوا والذين ملأوا الأرض ظلما وجورا وفسادا واستبدادا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :  » لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ , فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ , حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ , فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ , يَا عَبْدَ اللَّهِ , هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي , فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ».

قال الله تعالى : « وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ».

منجي المازني

عالمية الاسلام وصلاحه لكل زمان و مكان


الدين الإسلامي الذي تم ختم الرسالات به لا يمكن إلا أن يكون عالمياً وصالحاً لكل زمان ومكان، وهو أوسع من أن تشمله دائرة أيديولوجية تجعله يدور فيها مفرغاً من كل القيم الإنسانية التي أتى بها، وعلى رأس تلك القيم حرية اختيار الإنسان وقراراته

{من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}

والله تعالى حين وهب للإنسان العقل جعله حراً، على أن يتعامل مع أخيه الإنسان من منطلق إنسانيته دون النظر إلى قوميته أو عرقه أو ملته الدينية، اقرأوا قوله تعالى

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي أن حرية الاختيار وانقياد الإنسان الطوعي لاختياراته، يولدان الاختلاف بين الناس، ومن هنا قوله تعالى {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي بسبب الحرية ينتج الاختلاف بين الناس في الخيارات والآراء والتصورات، وقد خلقهم الله ليتمتعوا بهذه الحرية … ولذلك خلقهم

أما تعريف الإسلام الأيديولوجي التراثي المنثور في كتب الفقه وأصوله وسياسته التشريعية، فلا يتناسق أبداً مع مفهومه في التنزيل الحكيم. وأي حركة من حركات الإسلام السياسي اليوم لا تأخذ بالاعتبار أن التاريخ يسير إلى الأمام وأن نصوص الفقه وسياسته الشرعية مُتجاوزة زماناً ومكاناً، وقد وضعت ضمن أطر سياسية مرحلية معينة ولا يمكن إلا أن تكون تاريخية فقط

و تأسيس أي دولة لا يمكن إلا أن يساير التطور التاريخي للإنسانية، فالدولة هي نتاج اجتهاد إنساني بحت، يتطلب تأسيسها موافقة الشعب على الخضوع لسلطة هذه الدولة، مقابل ضمان تأمينها لحقوقه في الحرية والكرامة والأمان والعيش المحترم، وتطبيق القوانين المتفق عليها بحيث تتحقق المساواة لجميع أفراد المجتمع دون تمييز

عالمية الإسلام تعني أن الإسلام لم يكن يوماً للعرب، ولم يكن القرآن يوماً لقريش فهو، منذ اليوم الأول سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين، أو يخاطب قريشاً، أو يخاطب العرب أجمعين، أو يخاطب الناس كافة، إنما يخاطبهم بمبدأ واحد، ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد.. هو إخلاص العبودية لله، والخروج من العبودية للعباد.. إلى العبودية لرب العباد بل إن هذه الحقيقة هي فحوى دعوة الأنبياء جميعاً

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

إن هذا الدين ليس إعلاناً لتحرير الإنسان العربي ! وليس رسالة خاصة بالعرب

انه رب العلمين . ! إن موضوعه هو الإنسان.. أي إنسان.. ومجاله هو الأرض.. كل الأرض إن الله سبحانه ليس رباً للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون الإسلام وحدهم

وقد أكدت هذه الحقيقة آيات القرآن الكريم، كما بينتها الأحاديث النبوية، والسلوك النبوي الشريف، وهي كثيرة نستعرض بعضاً منها

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة ص الآية: 87 ]

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة التكوير الآية: 27]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

[سورة الأنبياء الآية: 17]

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ

[سورة آل عمران: الآية 96]

وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة يوسف الآية: 14]

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا

[ سورة الفرقان الآية: 1 ]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا

[سورة سبأ الآية: 28

إننا نحن المسلمين نحمل مشروعاً حضارياً رائداً، لُحمته الربانية، وسُداه البر والقسط، نبذله إلى العالمين ما داموا لا يقاتلوننا في الدين، ولا يصادرون علينا حقنا في أن نبسط دعوتنا إلى الآخرين

فليس على دعاة الدين الحق والرسالة الخاتمة من حرج أن يطوفوا بدعوتهم في المشارق والمغارب، يوطِّئون للحق مهاداً، وينشرون له أعلاماً في إطار قاعدة

لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

[البقرة:256]

وتحت خيمة الربانية التي ترعى حقوق الموافقين والمخالفين، حتى يتفيأ العالم ظلال هذه الرحمة العامة، يفيء إليها من هجير الظلم، ورمضاء الأثرة، والجشع، والأنانية، ويجد له موقعاً في سفينة الإسلام، التي تمخر به عباب هذه الفتن المتلاطمة، حتى ترسو على شاطئ النجاة في الآخرة .


هل نعيش آخر تغيير مناخي قبل النهاية ؟ نبي الاسلام يتنبأ…


بسم الله و الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد

. اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين

 » لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا « .

الحديث عن رسول الله صل الله عليه و سلم رواه مسلم عن حديث أبي هريرة.
و الصورة من اعلي جبال اللوز في منطقة تبوك في المملكة العربية السعودية .



وقد بدأت تباشير هذا الحديث و هذه نبوة تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب , صدقت يا رسول الله صل الله عليك وسلم.

فهذا موضوع أحاول فيه الربط بين آيات من القران وحديث نبوي شريف وهو (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا)

وكلامي سينصب في جانبين اثنين
الأول: متى كانت جزيرة العرب مروجا وأنهارا؟
الآخر: متى ستعود كذلك؟
أما عن الجانب الأول فالناظر في قصص القران عن الأمم السابقة كأمة نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب قد يستنبط من أحوالهم ما يدل عليه
أولا: قصة نوح
الظاهر والله أعلم من قصة نوح مع قومه أنه لم يذكر فيها أي شيء عن الجنات والأنهار إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى( ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) وهذا على سبيل الثواب إن أطاعه قومه لا على أنه أمر واقع وحاصل وهنا يتبادر سؤال هل أرض العرب في عهد نوح لم تكن بها جنات أو أنهار فالله أعلم
ثانيا: قصة عاد وثمود
في هاتين القصتين نجد أن كلا من هود وصالح عليهما السلام
ذكّرا قومهما بما من الله به عليهم من الجنات والعيون ، وديارهم كما هو معلوم كانت في أرض العرب وهذا يدل على أن أرض العرب كانت جنات وأنهارا في ذانك العهدين السحيقين ولكن السؤال هو متى تغيرت بيئة أرض العرب حتى صارت أرضا صحراوية قاحلة ؟ هذا ما نفهمه من قصة لوط وشعيب .

ثالثا : قصة لوط وشعيب
الظاهر والله أعلم من قصتهما عدم ورود الجنات والأنهار فيهما مما يعني أن أرض العرب قد تغيرت في ذلك الزمن وأصبحت كما هي عليه الآن وكما هو معلوم أن قوم شعيب كانوا بأرض العرب وأما قوم لوط فكانوا قريبي الزمن والمكان من قوم شعيب كما قال الله ( وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل البعد زماني ومكاني ومما يزيد الأمر وضوحا أن موسى عليه السلام عندما قدم أرض مدين وهو بعد ذلك العهد بكثير وجد أمة من أهلها يسقون من بئر واحد مما يعني عدم وفرة الماء بها
خلاصة ما سبق
أن أرض العرب كانت مروجا وأنهارا في الأزمنة البعيدة من عمر الأرض وظلت كذلك فترة من الزمن ثم تغيرت بعدها وأصبحت أرضا صحراوية قاحلة واستمرت إلى الآن
أما الجانب الآخر وهو عود المروج والأنهار إلى أرض العرب فهذا ورد في الحديث النبوي إلا أن تحديد وقت وقوعه يعد ضربا من علم الغيب فالله أعلم بزمان وقوعه

وصلى الله وسلم على النبي وآله وصحبه.

الثورة ممارسة ومسؤولية واستشراف


القراءة المتأنّية للأحداث واللين في المواقف مطلوبان لنجاح الثورة

ضمن برنامج « بالمرصاد » على قناة الزيتونة شنّ السادة رضا بالحاج رئيس حزب التحرير و
الحبيب الأسود ناشط وسجين سياسي و
لمين البوعزيزي باحث في الأنتروبولوجيا الثقافية، هجوما على كل الأحزاب الممثّلة في المجلس التأسيسي وبصفة مخصوصة على حركة النهضة. فقد اتهموا هذه الأحزاب بخيانة الجماهير التي انتخبتها للتعبير عنها والدفاع عن مطالبها في إطار حمل الأمانة وقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية. كما وصفوها بأنّها أياد مرتعشة، واتهموها بأنّها مدّت أياديها إلى جلاّدي الأمس و تعاونت معهم، بل وعقد معهم صفقات مشبوهة. هذا، علاوة على أتّهام هذه الأحزاب جميعها بالتراخي في فتح ملفّات الفساد وفي محاسبة الفاسدين، بالإضافة إلى تجاهل ضرورة مراجعة الاتفاقيات الدولية التي فرّطت في ثروات البلاد بأبخس الأثمان. فما مدى صحّة الاتّهامات الموجهة لحركة النهضة على أساس أنّ حركة النهضة تمثّل الأغلبية في المجلس التأسيسي وهي التي توجّه سياسة الحكومة ؟

بداية، قد يكون من المشروع أن نتساءل عن مدى صحّة هذه الاتهامات والاستنتاجات التي تخوّن حركة النهضة وهل هي فعلا غير قابلة للنقد. كما يمكن لنا أن نتساءل هل ثمّة معيار دقيق تقاس به درجة الوطنيّة والخيانة من عدمهما؟ ولماذا لا يقع إتّهام حركة النهضة مثلا بأنّها قد تكون إنتهجت سياسة خاطئة بدلا من اتهامها بخيانة جماهير الشعب ؟ كما أنّه معلوم أنّ الخطأ في حدّ ذاته نسبي قد تغيّر توصيفه الظروف. فما يعتبر عند البعض خطأ يعتبر عند البعض الآخر صوابا. وما يعتبر اليوم خطأ يمكن أن يغدو غدا صحيحا. ثمّ هل استفتيت الجماهير في كلّ هذه المسائل فقالت كلمتها فيها ؟ وهل يحقّ لأحد أن يتكلّم باسم الشعب ويصدر الإتهامات والأحكام باسمه ؟

في اعتقادي أنّ عاملين اثنين، أحدهما
موضوعي والثاني ذاتي، هما اللذان فرضا على حركة النهضة رسم ملامح سياستها للمرحلة الحالية.

 

1) العامل الموضوعي : تصدّى زعماء الثورة المضادّة للحكّام الجدد وعملوا على إفشال التجربة الديمقراطية في مهدها وذلك بتوظيف كل من الإمكانيات الضخمة للدولة العميقة وللاستبداد الخارجي سعيا لإجهاض الثورة. كما استعملوا كل الوسائل القذرة إلى حدّ التهديد بإدخال البلاد في الفوضى والمجهول وحمّى الاغتيالات إن أصرّ النّواب على تمرير قانون تحصين الثورة والعزل السياسي.

ومن هنا رأى المسؤولون الجدد أنه من الأفضل استعمال الحكمة واللّين لإيجاد مخارج سياسية من أجل إنجاح الثورة بأقلّ التكاليف.

لكنّ السيد لمين البوعزيزي
أبدى معارضته لهذا الطرح بالتذكير بأن الثورة الفرنسية تعرّضت لكل المؤامرات والانقلابات وتمكّنت على إثرها الثورة المضادّة من افتكاك زمام المبادرة حيث استرجع الملك الحكم وتمّ إعدام آلاف الثوار. ولم يمنع ذلك الثوار من إعادة الكرّة مرّة أخرى. وكان ذلك بعد تضحيات كبيرة مكّنتهم في نهاية الأمر من الإطاحة بالملك نهائيّا.

وللردّ على هذا الرّأي لا بد من الإشارة إلى أمرين مهمّين : الأمر الأوّل ،وهو أن الثورة التونسية قد انطلقت بدون قيادة
وكانت سلمية وتبعا لذلك سمّيت بالثورة الناعمة كما سمّيت كذلك بثورة الياسمين لذات السبب. ومن هذا المنطلق يصعب على ثورة بدأت سلمية وبدون رأس أن تقطع الرؤوس على الأقل في المرحلة الأولى. والأمر الثاني، وهو أنّ الثورة الفرنسية ليست النموذج الأفضل والمثالي رغم انتصارها في الأخير على كل المصاعب. فهناك النموذج الجنوب إفريقي الذي تحقّق بأقل التكاليف والذي تأسّس على عدم الانتقام وعلى قاعدة المحاسبة والاعتذار ثمّ المصالحة والمسامحة وردّ الاعتبار لكلّ ضحايا الاستبداد.

فالبحث عن حلّ يهيئ الظروف ويؤسّس
على امتداد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة لنظام ديمقراطي تعدّدي
بدون دماء أفضل بكثير من بناء ديمقراطية في ظرف سنوات قليلة لكنّها تقام على جماجم عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الأبرياء وعلى حساب حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس. فإذا لم يقدر المصلحون على إزاحة الفساد والمفسدين دفعة واحدة فليكن على مراحل. والثورة هي إرادة التغيير، ونجاح الثورة يكمن في إجبار المتسلّطين على القبول بمعادلات جديدة تهيئ للتغيير إن على المدى القريب أو البعيد. فإذا تعذّر اجتثاث المرض دفعة واحدة بعملية جراحية لسبب ما أو لوجود خطر بالغ على الجسم فيمكن إزالته بالتدرّج باستعمال الدواء لمدّة طويلة وعلى مراحل.

2) العامل الذّاتي : لا يمكن التغاضي عن أن حركة النهضة قد خرجت لتوّها من تجربة مريرة نتيجة لمواجهتها مع نظام المخلوع. و قد دفع أبناؤها فاتورة عقدين من الاستبداد والتجبّر والتسلّط والملاحقة والمطاردة والانتقام. وكانت هذه السنوات بالفعل سنوات الجمر. وبعد فوزها في أوّل إنتخابات بعد الثورة وجدت هذه الحركة نفسها فجأة في الواجهة وقد استأمنها الشعب لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية. وبذلك أصبحت مسؤولة عن قيادة شعب بأكمله. وبالتالي فإنّ كلّ قرار في غير محلّه أو في غير زمانه ستنعكس تأثيراته لا على قواعدها فحسب بل على كلّ أفراد الشعب. لذلك كان لا بد من التريث واسترجاع الأنفاس والتأمّل ودراسة وتحليل مدى استعدادات الشعب لخوض نضالات ومعارك طويلة المدى. صحيح أنّ شعبنا العظيم قام بثورة في وقت وجيز فاجأ بها العالم ولكن لابدّ من الاعتراف بأنّ هذا الشعب قد عاش خمسة عقود تحت طائلة الترغيب والترهيب والاستلاب الثقافي والمعاناة والخصاصة. وفي غضون ذلك امتدّت سياسة تجفيف المنابع لأكثر من عقدين. فلا شك إذن في أن تكون هذه المآسي قد أثّرت بطريقة أو بأخرى على نفسية غالبية هذا الشعب الذي أصبح لا يثق في المستقبل ولا في التطمينات والوعود ولا في المشاريع المبرمجة للمستقبل. ونتيجة لذلك انتفضت أغلب الفئات واحتجت وتمترست من أجل الظفر بالزيادات في الأجور وتحسين الظروف المعيشية أكثر من احتجاجها ونضالها ضدّ الاستبداد وضدّ الثورة المضادّة.

ولسائل أن يسأل ما عسى بعض الأحزاب أن تفعل لهذا الشعب ؟ وهل تستطيع هذه الأحزاب أن تفرض عليه مواجهات لفترات طويلة ربّما لا يتحمّلها ؟ فلا يكفي أن يكون الحزب ثوريا حتّى يحاول أن يجرّ معه الناس إلى مواجهات طويلة بخطابات حماسية و شعارات ثورية تستميل عواطفه وتدغدغها دون ان تقدّم له شيئا محسوسا. فالثورة قبل أن تكون جماهيرية هي إحساس فردي بالأساس وهي إحساس ينبع من داخل كيان الإنسان ولا يفرض من الخارج. والثورة هي استيعاب اللّحظة وتجاوب عقلي وروحي ونفسي مع الحدث يولّد مخاضا وإعصارا داخل كيان الإنسان فيدفعه إلى الاندفاع والثورة على كل ما هو سلبي. وكما قال أبو القاسم الشابي في قصيدة النبي المجهول

 

ليت لي قوة العواصف ياشعبي فألقي إليك ثورة نفسي

 

فحلّ المعادلة إذن يقتضي أن يبحث المفكّرون والأحزاب عن حلول تتماشى واستعدادات الشعب الذهنية والنفسية لطرق باب التغيير على قاعدة كيفما تكونوا تكون سياسة أولي أمركم وليس على قاعدة فرض قوالب جاهزة،صمّمت وصنعت في حال غير حالنا وزمان غير وزماننا ومكان غير مكاننا وقد تكون لها عواقب وخيمة.

وأمّا في ما يتعلّق بمراجعة ملفّ الاتفاقيات الدولية المبرمة مع الشركات المتعدّدة الجنسيات فلا يمكن لحكومة انتقالية أن تشرع في فتح هذا الملف في مناخ اجتماعي مضطرب يتّسم بعدم الاستقرار. لأن ذلك يتطلّب وجود حكومة قويّة مسنودة داخليّا وهو ما لم يتوفّر للحكومات المتعاقبة السابقة.

منجي المازني


 

إحياء الأمل وشحذ الهمم


إحياء الأمل وشحذ الهمم

 

قال الشاعر أحمد مطر « أدام الله والينا – رآنا أمةً وسطًا – فما أبقى لنا دنيا ولا أبقى لنا دينا!! ». لم يترك لنا المخلوعون مجالا إلا وأفسدوه حتى طال فسادهم آخر خيط يمكن أن يتشبث به الإنسان من أجل البقاء ألا وهو الأمل. مجرد الأمل والتمني والتوق لغد أفضل. ولذلك لاحظنا أن كثيرا من الشباب ولوا وجهتهم إلى البحار رغم ما تحويه من مخاطر كبيرة وعقدوا الأمل على ما وراءها بعدما فقدوا الأمل في العيش بكرامة في ظل دولة الفساد والاستبداد. فلا يمكن للإنسان أن يعيش بدون أمل. فهو القاطرة التي تجر بقية العربات وهو محرك البحث عن المستقبل والغد المشرق والحلول المنتظرة لكل مصاعب الحياة.

وأعظم شيء يمكن أن تقدمه سلطة منتخبة لجماهير شعبها هو إحياء الأمل في نفوسهم وشحذ هممهم من جديد. عندئذ سيجدون أنفسهم مقبلين بكل تفاءل على رسم تصورات ورأى جديدة ترتكز على آمال عظيمة وتعتمد على عزائم فولاذية.

والأمل لا يبنى من فراغ بل له مقدمات وأسس. فمقدماته إشاعة الحرية بين الناس حتى يعبروا عن آرائهم بكل حرية وأسسه إشاعة العدل بين الناس والسعي إلى تطبيق وتجسيد العدالة الاجتماعية. قال عبد الرحمان ابن خلدون « العدل أساس العمران ». فإذا سعت السلطة المنتخبة إلى تطبيق العدل بكل السبل الممكنة حازت شيئا فشيئا على ثقة الناس وضمنت لاحقا تضامن مؤسسات المجتمع المدني في كل عمل مستقبلي. فكما هو معلوم لدى الخاصة والعامة لا تستطيع السلطة المنتخبة في جل البلاد العربية إيجاد حلول، في ظرف وجيز، لكل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية بدون مد تضامني من مختلف فئات الشعب. والمد التضامني لكي يكون فعالا يحتاج إلى ثقة متبادلة بين السلطة ومؤسسات المجتمع المدني. وعندئذ تستطيع السلطة القائمة ممثلة في السياسيين والمفكرين والعلماء والدعاة لفت عناية الناس إلى المساهمة في أداء الواجب الإنساني والديني والوطني لإيجاد حلول لكل المسائل المطروحة. فلا بد من إشاعة ثقافة التآخي والتعاون بين الناس وثقافة التفكير في الآخر.

ولابد من إرساء ثقافة لكل الناس الحق في العمل والحق في الحصول على دخل مادي على قاعدة الرجل وبلاء والرجل وحاجته. فالدولة والمجتمع المدني بكل مكوناته مطالبان بالسعي الجاد لإيجاد حلول بديلة لمن لم يحصل بعد على وظيفة. والسعي هنا ليس لرفع الحرج ولرفع العتب بل هو واجب مقدس. فلقد أصبحنا نعيش في زمن لا قيمة فيه لمن لا عمل ولا وظيفة له. فالوظيفة أصبحت مفتاح الاستقرار للغالبية العظمى من الناس. ولا بد لنا أن نسعى لإرساء مفاهيم تحط من قيمة كل الذين لا يسعون لإيجاد مخارج وحلول لمن انقطعت بهم السبل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  » والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ». وقال عمر ابن الخطاب  » لو
عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لم لم تمهد لها الطريق يا عمر ». وقال الله تعالى « 
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ». سورة التوبة.

فالحاكم والمحكوم مطالبان أمام الله وأمام بعضهم البعض بوجوبية إغاثة الملهوف وتأمين الخائف والأخذ بأيدي الناس إلى بر الأمان. فلا خير في أناس يكنزون الذهب والفضة والآلاف المؤلفة من الدنانير ولا يسخرون هذه الأموال لتنشيط الدورة الاقتصادية ولإيجاد حلول ومواطن شغل لأكبر عدد ممكن من الناس وإسعادهم. والله تعالى حرم الربا وتوعد آكله بالحرب لأن آكل الربا يتحسس ويغتنم عثرات الناس لكي يمتص دماءهم ويزيد من معاناتهم بعكس الفطرة البشرية التي تميل إلى الأخذ بأيدي الناس وإسعادهم. ولقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أكثر شيء يسعد الإنسان في هذه الحياة هو إعانة الناس على حل مشاكلهم والبذل والعطاء المتواصل من أجل تلبية حاجياتهم وإدخال البهجة والسرور عليهم. ولقد جاء في كتب التاريخ أن التاجر في الأندلس كان إذا باع سلعة وتحصل على ربحه المعتاد في الساعات الأولى من اليوم أغلق دكانه لكي يمكن جاره من البيع والكسب بقية اليوم.

فلا بد من تشجيع الناس على البذل والعطاء وعلى تخصيص (وقف) جزء من أموالهم أو جراياتهم ( ولو دينار واحد ) لأجل إيجاد حلول لفئات أو شرائح أو قرى معينة أو طلبة علم أو لبناء مستشفيات وتصريف شؤونها. ولابد للناس أن يفكروا بكل جدية قبل الشروع في بناء بيت ثالث ورابع وعاشر في إمكانية المساهمة مع بعضهم البعض لأجل إعانة الفئات الضعيفة على اقتناء منزل. ولابد من إشاعة ثقافة التنافس بين الناس لفعل الخير. فإن الناس قد جبلوا على التنافس وعلى مجاراة بعضهم بعضا فإن لم يجدوا خيرا يتنافسون عليه تنافسوا على تلبية الشهوات وربما على فعل المنكرات.

وكنتيجة مباشرة للحرية والديمقراطية فإن الشعب سوف ينتخب ويفرز، بالضرورة إن عاجلا أم آجلا، قيادة ذات بأس وذات عزم وذات همة عالية. وسوف لن تعظم أمام هذه القيادة السياسية الجديدة وأمام عزيمتها القوية الصعاب. وكما قال أبو الطيب المتنبي  » وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم » وسوف لن ينطبق على الحكام الجدد قولة الشاعر الكبير عمر أبو ريشة
«  رب وامعتصماه انطلقت *** ملء أفواه الصبايا اليتّم لامست أسماعهم لكنها *** لم تلامس نخوة المعتصم ». هذه القيادات سوف تدفع باتجاه تقوية عزائم الناس وسوف تكون المثال الذي يحتذى به. فالهمم العالية والعزائم القوية وحب التطلع إلى المعالي تولد مع الإنسان ولكنها لكي تظل تنمو وتكبر مع الإنسان يجب أن تخضع للصقل والرعاية والاهتمام باستمرار فإذا دفعنا في اتجاه إبراز هذه المعاني فسوف تعول أغلب فئات الشعب على نفسها وسوف تحاول أن تبني نفسها بنفسها وسوف لن تبقى مكتوفة الأيدي تترقب الحكومة لتجد لها حلولا وسوف لن تبقى في بيوتها تنتظر المساعدات والإعانات كل نهاية شهر. ففي زمن الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز حدث في إحدى المرات أن الذي كلف بتوزيع أموال الزكاة على المحتاجين لم يجد من يأخذ منه هذه الأموال ذلك أن الناس تعففوا بعد أن أصبحت هممهم عالية. ولكن أنظمة الفساد والاستبداد أنتجت وخلفت لنا فئات واسعة مهزوزة نفسيا بعضها يتزلف للحاكم الفاسد ويثني عليه ويمدحه ليلا نهارا بدون خجل ولا وجل والبعض الآخر يشتكي ويتسول وينتظر المساعدات في كل نهاية شهر ولو كان ليس في حاجة إليها.

بهكذا تصور يمكن لكل من لم يتمكن بعد من الحصول على عمل أو مورد رزق أن يأمل خيرا وأن يستقر نفسيا واجتماعيا ويطمئن على حاله ومستقبله ولا يلقي بنفسه في عرض البحر باحثا عن حبل نجاة. لأن الحاكم والمحكوم سوف لن يتركاه يصارع الأمواج لوحده وسوف يكونان أسرته الكبيرة التي تحتضنه.

كتبه السيد منجي المازني – تونس

 


 

 » اعوذ بالله من الشيطان والسياسة « 



بديع الزمان سعيد النورسي

خطورة خلط الدعوة بالسياسة وخسارة الوقت الذي يفنيه العالم في ساحات السياسة أدرك الإمام الرباني

ولو أنه أمضى ذلك الوقت في تعليم الناس وإرشادهم لكان أجدى وأنفع
فما أضيع العمر الذي بدده النورسي في السياسة وفي النهاية لم يكن إلا قبضة ريح…

في المرحلة الاولى من جهاده حاول النورسي خدمة الاسلام عن طريق الخوض في بحار السياسة
ظلّ يسبح ضد التيار ويحاول صد التيارات المعادية للإسلام عن طريق العمل السياسي
قابل السلطان عبد الحميد و نصحه و انتقد حاشيته فكسب عداء الحاشية ،
وقابل وزير الامن وتحدث معه ورفض الرشوة التي قدمها اليه،
وحاول بعد لقائه بأتاتورك ان يلفت نظره الى أهمية الصلاة والايمان
ولكنه فوجئ برد فعل الرجل الذي اعتبر حديثه عن الصلاة تضييعا للوقت فيما لا فائدة فيه


وكتب المقالات السياسية في الجرائد والمجلات،
وحاول التأثير في رجال الاتحاد والترقي لدفعهم الى الجانب الاسلامي ؛
كما حاول التأثير على أعضاء مجلس النواب في أنقرة وإثراء الجانب الاسلامي فيهم ،
وخلال كل ذلك تعرض النورسي للقبض والتحقيق والمحاكمة والنفي اكثر من مرة
بل إن ثلث الأيام التي عاشها على الأرض كان مسجونا فيها او منفيا او قيد المحاكمة

ومع مرور الوقت ؛ آتت تجارب النورسي مع السياسة أُكلها ؛
وأدرك أخيراً استحالة خدمة الإسلام بالدخول في معترك السياسة ودهاليزها المظلمة والاشتراك في صراعاتها المتقلبة العقيمة

وأدار الشيخ الجليل ظهره لعالم السياسة ؛
واعتبر انفصاله عن السياسة ميلاده الجديد ؛
فكان يطلق على نفسه في تلك الفترة اسم  » سعيد القديم  » ؛
وكتب يقول عن نفسه:
 » لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات،
لعله يخدم الدين والعلم عن طريقها،
ولكن محاولته ذهبت أدراج الرياح…لماذا..؟
لأن أغلب ما في السياسة خداع وأكاذيب،
وهناك احتمال أن يكون السياسي آلة بيد الأجنبي دون أن يشعر

وهكذا طلّق سعيد
النورسي الحياة السياسية ثلاثاً
وقال كلمته الشهيرة


 » اعوذ بالله من الشيطان والسياسة « 

رأي في فهم النص الديني


  رأي في اقوال الأئمة

 يقول الامام علي بن ابي طالب (ع):  ان الله لا يخلقُ ألا لغرض لأنه حكيم،

ويقول الامام  ابو حنيفة النعمان(ر):  كلامي هذا راي….فمن كان عنده خيرُ منه فليأتٍ به.

ويقول الامام الشافعي (ر):  رأيي صواب يحتمل الخطأ…. و رأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

 
 

اقوال وان اختلفت صياغتها، لكنها تتفق في فلسفتها ومعناها. ولأننا لم ندرس اقوال وفلسفة علماؤنا بشمولية الرأي وصدق النية، فقد خلقنا الاختلافات بيننا وسمينا الاسلام فرقا لا فرقة واحدة، وهنا كان مقتلنا، ولا زال الى يومنا هذا، واذا لم نصحوا ونُعدل في الرأي والفكر والفلسفة، فلن تقوم لنا قائمة ابداً.

لا احد يشك ان الاسلام بحاجة الى تجديد، فلسفة ادركتها العقول النابهة من امثال جمال الدين الافغاني ورشيد رضا، وكان من نتيجتها قيام حركات الاصلاح السياسي على اساس الخلافة والدولة، وحركات قومية على اساس الاستقلال. لكن الخطأ الذي وقع به الاسلاميون تجسد في ان ما فعله الصحابة بعد وفاة الرسول (ص) هو في أساسيات الاسلام، متجاهلين او متعمدين بأنه فكر انساني بحت لا علاقة له بالنص التراثي المتروك. فتجاهلوا اصول الفقه والتشريع ووضع اصول جديدة تتماشي والتغير الزمني فكانت نتيجة اعمالهم قتل التوجه الانساني في النص الديني. وهنا ينطبق عليهم قول الحق:

بل قالوا انا وجدنا أباءنا على أمةٍ وانا على اثارهم مهتدون، الزخرف 22

 

   هذا التوجه القاصر في فهم النص الديني الاسلامي مكنهم من ربط الاسلام بالأشخاص فلم يتم تحويله الى مؤسسات. فظل الحاكم هو الاساس لا التشريع، وبقي يتراكم في عقولنا حتى اصبح الخطأ حقيقة، فكيف العودة للصحيح الاكيد. لقد ادرك الخليفة عمر بن الخطاب هذه المزية منذ القرن الاول الهجري حين فصل القضاء عن الولاة، فاصبح القاضي مستقلا عن الوالي حاكم الولاية. فكانت بداية مؤسسة القضاء في الاسلام. لكن عهد الخلافتين الاموية والعباسية قد اضاعت هذا التوجه بجعل الخليفة حاكا وقاضيا بنفس الوقت رغم وجود مؤسسة القضاء عندهم.

هنا وباستمرارية الحكم الاموي والعباسي ضاعت لدينا حرية الرأي والرأي الاخر، فضعفت المعارضة في الاسلام بعد ان اصبح السيف والنطع هما البديل لحرية الرأي. هنا اضعنا الجزء الاكبر من التشريع هو الفقه الدستوري الذي ينظم بنية الدولة وشرعيتها. وفقدان الفقه الدستوري ادى الى ربط الاسلام بالحاكم وغياب المؤسسة في حكم الدولة. فنتج عن كل هذا مؤسسة جديدة اسمها مؤسسة الاستبداد السياسي.

   واذا كان التشريع الاسلامي سلسلة حلقات مترابطة مع بعضها، فقد بدأت مؤسسة الاستبداد تنحو نحو تعريف القضاء والقدر لتبرير شرعية الدولة، خاصة عندما اصبح النص الديني لا يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي. متمسكين بقول الحق: (وما تشاؤون الا ان يشاء الله) متناسين تكملة الاية وايات اخرى تؤكد حرية الانسان في مجال السعي الانساني الحر كما في قوله:

وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا، الكهف29

 

فوجدوا للقضاء والقدر تعريفات جعلت المسلم في اطار الاستسلام لكل ما هو مكتوب عليه سلفا دون تفكير فكان  التعريف للقضاء والقدر هو بداية الاستبداد السياسي حين قالوا: ان القضاء هو علم الله الآزلي، والقدر هو نفاذ هذا العلم في عالم الواقع. وهذا التعريف وضع المؤمن في اطار الاستسلام لكل شيء، فلم يبقِ عند الناس حاجة الى الاحتجاج على تصرفات الحاكم .

هنا سخر الحاكم بعض الفقهاء لايجاد نظريات التبرير السياسي والكتل الساكتة في الاسلام، وحين نجحوا في ذلك شجعوا فكرة أيقاف الاجتهاد وتقريب علماء الجبر وتشجيع فكرة القدر، تمهيدا لغلق الفكر العربي الاسلامي نحو المطالب الشرعية في حكم الناس. قكانت فكرة الارجاء والجبرية لاماتة المطالب الشعبية الشرعيى للناس. ويبدو انهم وفقوا في بعضٍ من اصحاب فكر الطاعة كالماوردي والغزالي وغيرهم كثير.

   لقد كان من نتيجة هذا التوجه الاستبدادي في حكم الناس هو الخلط بين المعاملات والاحوال الشخصية والعبادات والاخلاق بجعلها أمراً واحداً يضم الفروع الثلا ثة. فتوسعوا فيه متناسين تماما الفقه الدستوري في الاسلام الذي ينص على شراكة الحاكم والمحكوم في السلطة، اي في الحقوق والواجبات. ولان  نظرية الاستبداد كانت بحاجة الى آيديولوجية تقف من ورائها فكان السند لها هو الحديث النبوي الذي ادخلوه مرحلة التزييف. وكأن الرسول كان  كان يدرك بعلمه  هذا التوجه حين قال:( أيها الناس خلوا بيني  وبين الناس ولا تنقلوا عني غير القرآن، صحيح مسلم ج18 ص229).  

لكن المعضلة قد ازدادت تعقيداً حين فرضت الاية الكريمة:

اطيعوا الله والرسول واولي الامر منكم

 
 

لينتج منها ان طاعة الله واولي الامر واحدة. لكنهم نسوا ان اولوا الامر جمع لا مفرد له من جنسه، والوا  ليس جمعا لولي  ولا من مادته، فجمع ولي هو اولياء وهم المقدمون من الجماعة، هنا اختلط الامر على الفقهاء فراحوا يفسرون ويفلسفون الآية لخدمة السلطان فنتج عنه ما نسميه بالولاء المطلق للحاكم، او الحاكم الدكتاتور حسب التسمية اليوم.

 ولا نريد ان نبحث قي تزييف الاحاديث فذاك موضوع اخر. من هنا ظهرت مدرسة الاحاد التي جرت الى التفسيراللغوي الترادفي الخاطىء، وبانتصار مدرسة الترادف توقف التأويل العلمي للقرآن والذي جاء بنص الاية (7) من سورة آل عمران:

وما يعلم ُ تأويله الا الله والراسخون في العلم

 
 

 فالتأويل جمعي وليس فردي كما يدعي الفقهاء. وهكذا كان منذ البداية أن أئمتنا قد أخذوا بالتأويل واختلاف الرأي.

ان المواطن العربي والمسلم اليوم هو اسير نظريات الحاكم في الطائفية والعنصرية التي يدفعون الناس اليها دفعا محرماً لا شرعياً الى ان يستبد بهم الضعف فيخضعون لسياسة الامر الواقع المهزومة امام التحدي الفكري الصحيح. ان همهم ان يجعلون من الغنيمة بديلا َ للسيف ومن المناورة بديلاً للسياسة، ومن التبعية بديلاً عن المشاركة. فهل نحن سنعي ما يصنعون؟

آراء الكاتب

د.  عبد الجبار العبيدي
أستاذ جامعي
jabbarmansi@yahoo.   com

هذا التوجه القاصر في فهم النص الديني الاسلامي

واذا كان التشريع الاسلامي سلسلة حلقات مترابطة مع بعضها،

لقد كان من نتيجة هذا التوجه الاستبدادي في حكم الناس


 

المخلوق اللغز


هجرة الفراشة الملك

Papillon Monarque الفراشة الملك

لقد تكونت، لعدة سنوات مضت، إجابات قليلة عن كيفية أن يقوم مخلوق يزن اقل من وزن العملة المعدنية الصغيرة، وله مخ اصغر من رأس الدبوس، بالإبحار فيجولته السنوية بدقة أنظمة تحديد الأماكن الكونية جى بى اس  

خلال الأسابيع الأخيرة لفصل الخريف من كل عام تصل ملايين الفراشات من فراشة المونارش إلى جبال سييرا نيفادا في المكسيك

تأتي هذه الفراشات عبر رحلة تصل إلى 4000 كيلومتر آتية من شمال الولايات المتحدة الأمريكية و كندا لتمضية فصل الشتاء في ولاية ميتشواكان بالمكسيك

وهي تستغل الرياح الحرارية الصاعدة لتعينها على قطع تلك المسافة الطويلة الفائقة ، حيث تقطع كل يوم مسافة تقدر بنحو 80 كيلومتر

وتجتمع حشود فراشة المونارش بعد رحلة شهرين في منطقة غابات محدودة الاتساع تبلغ عدة هكتارات فقط ، ولكنها منطقة مناسبة تماما لمعيشتهم ،فهي دافئة

وليست رطبة وبها تجمع كثيف من أشجار الغابات


http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/3b/Danaus_plexippus_migration_map_in_North_America-fr.gif


كيف تجد فراشة المونارش طريقها إلى تلك البقعة الصغيرة من المكسيك؟

يعتقد العلماء أن تلك الخطة من مكونات برمجة جيناتها 
فعندما أخذ علماء الأحياء بعضا من تلك الفراشات إلى منطقة قريبة من واشنطن العاصمة على الساحل الشمالي الشرقي للولايات المتحدة ، فقد اتخذ هذا الجمع طريقه إلى نفس المنطقة في المكسيك . ومن عجيبة الأمر أن تلك الحشود تبلغ أعمارا طويلة بالنسبة لأعمار فراش مونارش الأخرى من نسلهم ، فأعمار هؤلاء الرحالة تبلغ من ستة إلى سبعة أضعاف أعمار أبنائهم رغم ما يقومون به من طاقة كبيرة أثناء رحلتهم إلى الجنوب. وعندما يحل فصل الربيع تتزاوج فراشات المونارش ويلقي بعض منها نحو 400 بيضة ، ولا يستطيعوا العودة إلى مكانهم الأصلي في أمريكا الشمالية فهم يقطعون عدة عشرات الكيلومترات فقط . وأما النشأ بعد خروجه من الشرانق فيبدأ رحلة العودة ولكنهم لا يقطعون كل تلك المسافة على مرة واحدة . فالجيل الأول يتجه شمالا ويقطع نحو 1000 كيلومتر على نهج أبويه ، وتنتهي حياتهم بعد عدة أسابيع . ثم يخلفهم الجيل الثاني الذي يظل على هذا الطريق متجها إلى الشمال ، وينتهون أيضا بعد عدة أسابيع . ولا يستطيع الوصول إلى المنطقة الأصلية للأجداد سوي الجيل الثالث ويصلوها أثناء الصيف

يفصح العلماء هذه الأيام عن انهم قد وجدوا دليلهم الأول الكبير بان الفراش يعتمد على ساعته البيولوجية
لمتابعة حركة الشمس بدقة، وضبط مساره
ويقولون إنه مازال هناك عمل كثير قبل أن يمكنهم تفهم واستيعاب عملية الهجرة كلية، ولكنهم يأملون أن يقودهم هذا الاكتشاف إلى استنتاجات حول اللغز الذي اسر الخيال لمدة طويلة. ويقول لينكولن براور، عالم الأحياء في كلية سويت براير في فرجينيا بان هذه فعلاً خطوة كبيرة للأمام لتحديد كيف يجد الفراش طريقه إلى كاليفورنيا والمكسيك ولفهم هذه العملية المعقدة
الساعة البيولوجية

وفي العدد الصادر من صحيفة العلوم يطرح كتاب أحد التقارير الجديدة فكرة أن الساعة البيولوجية للفراش (وهي مثل الساعة البيولوجية التي تحدد نمط النوم في الإنسان) حاسمة وأساسية في قدرته على معرفة إلى أين هو ذاهب. وبعبارة أخرى فان هذه الساعة تعرف ذاتيا كيف تقوم بالتعويض عن حركة الشمس عبر السماء كل ساعة وكل يوم, مما يسمح للفراش بالطيران في الاتجاه السليم الذي يرغبه. ويبين ستيفين ريبيرت بالمدرسة الطبية بجامعة ماساتشوسيتس في وورسيستر أن الدراسة تقدم الطريقة التي تخبر بها الساعة البيولوجية الحيوان كيف يوجه نفسه في الفضاء، و أنها أشبه بساعة ذات أربعة أبعاد
ما لا تجيب عليه هذه الدراسة هو كيفية معرفة الفراش للاتجاه الذي يريد الطيران فيه أولا، وكيف يعرف أنه وصل بالضبط للأراضي الشتوية في المكسيك وساحل كاليفورنيا وهى الأماكن التي لم يرها غير أجداده فقط .
إنه للغز ذلك الذي أعطى للفراش هذه المكانة الفريدة في الثقافة الأمريكية، من الأعداد الهائلة للفراشات على اتساع البلاد، إلى خرائط الهجرة المدبسة على ألواح الفلين

أعمار حسب الضرورة

ويقول الآخرون بان هذه الساعة تتحكم في أجزاء كبيرة من سلوك الفراش، فعلى سبيل المثال يعيش الفراش المولود في أوائل الخريف، عندما تكون الأيام قصيرة، لمدة ثمانية شهور وهكذا يستطيع الهجرة بطول الطريق للجنوب. وتعيش جميع الأجيال الأخرى من أربعة إلى ثمانية أسابيع فقط

وبملاحظة أن الفراش يقضى ما يقرب من مائة وثمانين يوما في مأواه الشتوي في الهضاب المكسيكية، فيتعجب الدكتور براور أن تدور الساعة البيولوجية للفراش درجة واحدة يوميا فترسله لاتجاه الجنوب في الخريف ولاتجاه الشمال في الربيع

 » هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ  »

هذا  » صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ

صدق الله العظيم




محمد فتح الله كولن …أب الإسلام الاجتماعي


محمد فتح الله كولن …أب الإسلام الاجتماعي

حلمه أن يسود العالم الحب والعلم

مرشد جماعة النور بتركيّا، ومجدّد حركة الشيخ سعيد النورسي، مفكر وزعيم إسلامي بارز وداعية تركي

ولد محمد فتح الله بن رامز أفندي كولن أو( فتح الله جولان أو فتح الله غولان) في 27 أفريل 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء حسن قلعة ‏المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة

حياته

حفظ القرآن على والدته في سن مبكّرة وكانت ‏أمه توقظه وسط الليل وتعلمه القرآن ، ودرس العربيّة والفارسيّة على والده، وتتلمذ على  الشيخ عثمان بكتاش في النحو والبلاغة وأصول الفقه، وقرأ رسائل النور لسعيد النورسي وتفاعل معها، وأعجب بمنطلقاتها الفكريّة والدعويّة، وتربى فتح الله جولن في أحضان طلبة النور منذ عام 1957، ودرس أعلام الفكر الإسلامي المعاصر وأمعن في قراءة سيرة زعماء الإصلاح في القرون الأخيرة، وتابع التيارات الإصلاحية التي ظهرت في شتى البلدان الإسلامية.

كان حلمه وهو في الثانية أو الثالثة عشرة من عمره أن يسود الحب والعلم العالم، وكان يقول: كنت أحمل كتابا في يد وخريطة للعالم في اليد الأخرى سائلا ربي: « كيف يمكننا يا رب أن نصبح عالما يربطه الأمل والحب والعلم وقد حلت مشكلاته الاجتماعية؟ »

كان والده (رامز أفندي) شخصًا ‏مشهودًا لـه بالعلم والأدب والدين، وكانت والدته (رفيعة خانم) سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله، ‏وقامت بتعليم القرآن لابنها محمد ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره، حيث ختم القرآن في سن مبكرة

كان بيت والده مضيفًا لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة لذا تعود محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم

درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى (التكية) أيضًا، أي تلقى تربية روحية إلى ‏جانب العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضًا من علماء معروفين من أبرزهم عثمان بكتاش الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية ‏والفلسفة أيضاً. في أثناء أعوام دراسته تعرف برسائل النور وتأثر بها كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف (رسائل النور)

وبتقدمه في العمر ازدادت مطالعاته وتنوعت ثقافته وتوسعت فاطلع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها ‏وعلى الفلسفة الشرقية أيضاً وتابع قراءة العلوم الوضعية كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء…إلخ

عندما بلغ محمد فتح الله العشرين من عمره عيّن إماماً في جامع (أُوجْ شرفلي) في مدينة أدرنة حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جو من الزهد ورياضة النفس. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا لضرورة

بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع (كستانه بازاري) في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول. وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من ‏أدرانها، ويذكرها بخالقها وربها ويرجعها إليه. كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد ‏الذي ينير أمامها الطريق إلى الله وإلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم‏.

وكان يجوب البلاد طولاً وعرضاً كواعظ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع. كما كان ‏يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية

ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة يجيب فيها على الأسئلة الحائرة التي تجول في أذهان الناس ‏والشباب خاصة ولا يعرفون لها أي جواب مما كان يلقي بهم في مهالك الشبهة والإلحاد. فكانت أجوبته هذه ‏بلسماً شافياً لعقول وقلوب هؤلاء الشباب والناس مما جعلهم يلتفون حوله ويطلبون إرشاداته. كما حثّ أهل ‏الهمة والغيرة على الاهتمام بمجال التعليم. ونتيجة لذلك قام هؤلاء الذين استفادوا من أفكاره – دون انتظار ‏أي نفع مادي أو دنيوي – وضمن إطار القوانين المرعية في تركيا بإنشاء العديد من المدارس والأقسام الداخلية، ‏وبإصدار الجرائد والمجلات وإنشاء المطابع وتأليف الكتب ومحطة إذاعة وقناة تلفزيونية. وبعد انهيار الاتحاد ‏السوفيتي انتشرت هذه المدارس في العالم بأسره، وخاصة في دول آسيا الوسطى التي عانت من الاحتلال ‏الروسي ومن الإلحاد الشيوعي سبعين عاماً تقريباً

أدرك فتح الله كولن في وقت مبكر أن المجتمع التركي، ومجتمعات العالم الإسلامي عامة تعاني من ثلاث علل كبرى هي: الجهل، والفقر، والتفرق، فنذر نفسه للدعوة إلى العلم والعمل لتفعيل مشروع تربوي متكامل، وحث الأثرياء على التضامن الاجتماعي ومساعدة الفقراء والاستثمار في مجالي التربية والتعليم

التسامح و الحوار

بدأ الأستاذ فتح الله -ولا سيما بعد عام 1990- بحركة رائدة في الحوار والتفاهم بين الأديان وبين ‏الأفكار الأخرى متسمة بالمرونة والبعد عن التعصب والتشنج، ووجدت هذه الحركة صداها في تركيا ثم في ‏خارجها. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها في الاجتماع الذي تم عقده في الفاتيكان بين الشيخ فتح الله وبين ‏البابا إثر دعوة البابا لـه. لقد آمن بان العالم أصبح -بعد تقدم وسائل الاتصالات- قرية عالمية لذا فان أي ‏حركة قائمة على الخصومة والعداء لن تؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وأنه يجب الانفتاح على العالم بأسره، ‏وابلاغ العالم كله بان الإسلام ليس قائماً على الإرهاب -كما يصوره أعداؤه- وان هناك مجالات واسعة ‏للتعاون بين الإسلام وبين الأديان الأخرى .

واهتم الأستاذ فتح الله كولن بفكرة الحوار والتواصل والتفاهم بين التيارات الفكرية المختلفة على المستوى المحلي داخل تركيا، وعلى المستوى الإقليمي والدولي بين أتباع الديانات وأبناء الحضارات والثقافات المتعددة، ودعا إلى نهج التعارف والاحترام المتبادل والتسامح والتعايش ونبذ التعصب وإدانة العنف

ومدّ جسور الحوار مع الأمّة المسيحيّة فقام بزيارة الفاتيكان بدعوة من البابا، وأجرى معه حواراً مفيداً

أبو الإسلام الاجتماعي

رحم الله اربكانعلى عكس نجم الدين أربكان الذي يعد أب الإسلام السياسي في تركيا، فإن فتح الله كولن هو أب الإسلام الاجتماعي. فهو مؤسس وزعيم « حركة كولن »، وهى حركة دينية تمتلك مئات المدارس في تركيا، ومئات المدارس خارج تركيا، بدءا من جمهوريات آسيا الوسطى، وروسيا وحتى المغرب وكينيا وأوغندا، مرورا بالبلقان والقوقاز. كما تملك الحركة صحفها ومجلاتها وتلفزيوناتها الخاصة، وشركات خاصة وأعمال تجارية ومؤسسات خيرية. ولا يقتصر نشاط الحركة على ذلك بل يمتد إلى إقامة مراكز ثقافية خاصة بها في عدد كبير من دول العالم، وإقامة مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي واميركا، بالتعاون مع كبريات الجامعات العالمية من اجل دراسة الحركة وتأثيرها وجذورها الثقافية والاجتماعية

منهجه

وكان من منهجه الانفتاح على الإنسانية بأسرها، وإبلاغ العالم كله بأن الإسلام دين الرحمة، ويدعو إلى الاخوّة بين بني البشر، وأنّ المسلم لا يمكن أن يكون إرهابيا وأن الإرهاب لا يمكن أن يكون مسلماً

ما تتميز به حركة كولن عن باقي الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم هو أنها غالبا تلقى ترحيبا كبيرا من الغرب. إذ تعتبر هي « النموذج » الذي ينبغي ان يحتذى به بسبب « انفتاحها » على العالم، وخطابها الفكري. فمثلا إذا كان أربكان يرى أميركا عدوا للعالم الإسلامي بسبب تحكم « الصهيونية العالمية » في صنع القرار فيها، فإن كولن يرى ان اميركا والغرب عموما قوى عالمية لابد من التعاون معها. وإذا كان أربكان يرى ضرورة الوحدة بين العالم الإسلامي، وهي الافكار التي بلورها عمليا في تأسيسه مجموعة الثماني الإسلامية، فإن كولن لا ينظر إلى العالم العربي وإيران بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان هم المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم اقليات تركية هامة، وهو يرى انه إذا كان لتركيا يوما ما ان تعود لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية، فلابد من نفوذ قوي لها وسط الاتراك في كل مكان في العالم. لكن كولن من البراغماتية والذكاء بحيث لا يستخدم تعبير « القيادة التركية » في المنطقة، كما لا يدعو إلى استقلال الاقليات التركية في وسط آسيا، ولا تمارس جماعته انشطة تعليمية في البلاد التي يمكن ان تتعرض فيها الاقلية التركية لمشاكل من قبل النظم الحاكمة مثل الصين وروسيا واليونان122113_1611_2.jpg

وأول ما يلفت النظر في كولن هو أنه لا يفضل تطبيق الشريعة في تركيا، ويقول في هذا الصدد ان الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الاقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وانه لا داعي لتطبيق احكام الشريعة في الشأن العام. ووفقا لهذا يعتقد كولن ان الديمقراطية هي أفضل حل، ولهذا يكن عداء للأنظمة الشمولية في العالم الإسلامي. ومع ان اربكان ينظر اليه بوصفه استاذ رئيس الوزراء التركي رجب طيب اروغان، إلا أن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم تشير إلى ان كولن هو أستاذ اردوغان الحقيقي

ازدهرت حركة فتح الله كولن في إطار انتعاش الحركات والطرق الدينية في تركيا في الثمانينيات من القرن الماضي. فبعد الانقلاب العسكري بقيادة كنعان افرين عام 1980، والقرارت التي اتخذتها الحكومة العسكرية والمتعلقة بتحرير الاقتصاد وخصخصة الاعلام واتاحة حرية عمل أكبر، للمنظمات المدنية بما في ذلك الجماعات الدينية، بدأت الطرق الدينية في الازدهار ومنها « طريقة النور » التي أسسها الصوفي الكردي سعيد النورسي (1873- 1960) والتي خرجت منها وتأثرت بها لاحقا حركة كولن. وجوهر فلسفتها ايجاد مجتمع إسلامي ملتزم، لكن في الوقت نفسه متلهف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم لإنهاء تقدم العالم الغربي على العالم الإسلامي. واليوم يقترن اسم فتح الله كولن بمصطلح الإسلام التركي المتنور أو المعتدل، إذ حاول فتح الله كولن مع مؤيديه تأسيس حركة دينية سياسية اجتماعية حديثة تمزج الحداثة، بالتدين بالقومية بالتسامح بالديمقراطية. ووضع الإسلام والقومية والليبرالية في بوتقة واحدة. وكتبت الكثير من الدوريات الغربية عن كولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، لكن معارضيه يقولون عنه انه الخطر الحقيقي على العلمانية التركية، ويتهمونه بمحاولة تقويض العلمانية التركية عبر أسلمة الممارسات الاجتماعية للأتراك

في الفترة الأخيرة عدل من منهجه ليتوافق مع متطلبات القومية التركية مضيف اليه مسألة شرعية محاربة الارهاب واقام علاقات جيدة مع الدوائر الأمريكية ومنها دوائر القرار السياسي

هجرته

طلب المدّعي العام التركي إنزال عقوبة الإعدام بحقّه بسبب أشرطة تتضمّن محاضرات له وأحاديث، ينتقد فيها النظام العلماني التركي، و اتهمته السلطة بالسعي لتغيير نظام الحكم، والسعي للاستيلاء على السلطة، إلاّ أنّه نفى التهم التي وجّهت إليه، ووصف الحملة المغرضه بأنّها افتراءات كاذبة، ومكائد يدبّرها له أعداؤه

وتتضمّن مذكرة المدّعي العام التركي بحق الشيخ: إعداد جيل من الشباب في المدارس التابعة للجماعة للتغلغل بواسطتهم في مؤسّسات الدولة المختلفة وخاصّة وزارة التربية والتعليم، وأجهزة الأمن، والقوّات المسلّحة في خطوة تستهدف قلب النظام السياسي المستند إلى مبدأ العلمانيّة، وفرض نظام يعمل وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة

وخرج من تركيّا مهاجراً وقد هدّه المرض فأقام في أمريكا عاكفاً على العبادة والبحث والتأليف وإنضاج الأفكار

مؤلفاته

لفتح الله كولن 60 كتابا، وقد حصل على العديد من الجوائز على كتبه هذه، وأغلبها حول التصوف في الإسلام ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم

ألف في السيرة النبوية كتابا حديثا أسماه (النور الخالد) الدراسة العلمية لسيرة النبوية

ألف نحو خمسة وستين كتاباً باللغة التركيّة، ترجم معظمها إلى اللغات الأخرى منها: (روح الجهاد وحقيقتة في الإسلام) و(طرق الإرشاد في الفكر والحياة) و(جيل الحداثة) و(القدر في ضوء الكتاب والسنّة) و(أضواء قرآنيّة في سماء الوجدان) و(الموازين أو أضواء على الطريق) و(نحن نقيم صرح الروح) و(أسئلة العصر المحيّرة) و(حقيقة الخلق ونظريّة التطوّر) و(النور الخالد محمد صلّى الله عليه وسلّم معجزة الإنسانيّة) و(السنّة تقييدها ومكانتها في الشريعة الإسلاميّة) و(البيان) و(التلال الزمرّديّة نحو حياة القلب والروح) و(أضواء قرآنيّة في سماء الوجدان) و(ترانيم روح وأشجان قلب) و(تعليم العربيّة بطريقة حديثة) وله ديوان شعر بعنوان (المضرب المكسور)

مصادر

http://ar.fgulen.com/ موقع محمد فتح الله كولن

اسلام أون لاين، أخبار العالم ـ من هو فتح الله جولن؟ وما هي ملامح المشروع الذي يقدمه إلى العالم؟ مجدي سعيد

فتح الله كولن: إسلام ..بطعم الحكمة، د. نوزاد صوش، 10/5/2010

فتح الله كولن ..حكيم الفكر الإسلامي المعاصر، د. فؤاد البنا 28/4/2010

فتح الله كولن ..جيلاني العصر، عبد العزيز العسالي، 7/5/2010

المسلم نت، تجربة فتح الله كولن في مؤتمر بالقاهرة يناقش الإصلاح، 29/10/1430

تركيا من أتاتورك إلى أردوغان(الحلقة السادسة)

الرجل الذي يحبه أتراك… ويخافه أتراك، جريدة الشرق الأوسط، 25 أكتوبر

وصلات خارجية

فتح الله جولن.. المفكر الأول في العالم، إسلام أون لاين

فتح الله كولن « خميني الأتراك » والدرويش العملاق، السياسي، 24 سبتمبر


هذا هو السلطان سليمان القانوني


القصة الحقيقية للسلطان العثماني سليمان

يقول المؤرخ الألماني هالمر

 » كان هذا السلطان أشد خطرا علينا من صلاح الدين نفسه »
ويقول المؤرخ الانجليزي هارولد

 » إن يوم موته كان من أيام أعياد النصارى « 


وليس كما وقع  تحريفها وجعلوا مسلسل حريم السلطان هي الرواية


في البداية هي مرحلة و صفحة من تاريخنا المشرف العظيم وللأسف كثيرا منا لا يعرف هذا التاريخ والأغرب أن مقالنا اليوم عن ملك هو من اعظم ملوك الإسلام واعظم سلاطين الأرض على مر العصور يكفي أن أقول لكم أن دولته ومملكته هي الأكبر والأقوى والأعظم في التاريخ


هذه خريطة فتوحات السلطان سليمان وله أعمال كثيرة لا نستطيع حصرها في هذه المقالة، ولا تصدقوا أن رجلا قضى عمره في الفتوحات لديه وقت لما ترونه في المسلسل و لا تصدقوا أن رجلا عرشه على هذه الخريطة له وقت فراغ

دعوني أسرد لكم ما قاله رئيس اللجنة الأوربية عام 1923 عند سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا – وتكريم أول مسلمة في مسابقة ملكة جمال العالم والذي روّج لها العلمانيون في تركيا وكانت الفتاة المتقدمة للمسابقة هي « كريمان خالص » يقول رئيس اللجنة الأوربية فرحا بهذه المناسبة وانظروا إلى الحقد الدفين

« أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400م، إن « كريمان خالص » ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة… ها هي « كريمان خالص » حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا « بالمايوه »، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا… ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني « سليمان القانوني » من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، ها هي حفيدة السلطان المسلم، تقف بيننا، ولا ترتدي غير « المايوه »، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريماً لانتصار أوربا  »

من خلال هذه المقدمة أردت أن أضغ النقاط على الحروف فقط لنفهم لماذا كل هذا الحقد و التشويه



هذا  هو السلطان سليمان القانوني من خلفاء الدولة العثمانية وهو من اعظم سلاطين الاسلام واعدلهم واكثرهم جهادا وللأسف الشديد شُوهت صورة الدولة العثمانية من الغربيين والمناهج التعليمية لصرف أمة الإسلام عن عظيم تاريخها

ولد في 6 نوفمبر من عام 1494 في منطقة طرابزون ووالده السلطان سليم الأول، وقد تربى على الفروسية ودرس الأدب والتاريخ والعلوم ثم التحق ببعض المدارس العسكرية في اسطنبول، حيث تعلم العلوم العسكرية

هو سليمان خان الأول بن سليم خان الأول بن بايزيد خان الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغل كان عاشر السلاطين الدولة العثمانية وصاحب أطول فترة حكم من 6 نوفمبر 1520 حتى وفاته في 5/6/7 سنة 1566 خلفاً لأبيه السلطان سليم خان الأول وخلفه ابنه السلطان سليم الثاني


نقش غائر لسليمان يزين مجلس النواب الأمريكي

. وهو واحد من النقوش الثلاثة والعشرين التي تكرم ساني القوانين عبر التاريخ

عُرف عند الغرب باسم سليمان العظيم وفي الشرق باسم سليمان القانوني لما قام به من إصلاح في النظام القضائي العثماني

أصبح سليمان حاكمًا بارزًا في أوروبا في القرن السادس عشر، يتزعم قمة سلطة الإمبراطورية العثمانية العسكرية والسياسية والاقتصادية

قاد سليمان الجيوش العثمانية لغزو المعاقل والحصون المسيحية في بلغراد ورودوس وأغلب أراضي مملكة المجر قبل أن يتوقف في حصار فيينا في 1529

ضم أغلب مناطق الشرق الأوسط في صراعه مع الصفويين ومناطق شاسعة من شمال أفريقيا حتى الجزائر، تحت حكمه، سيطرت الأساطيل العثمانية على بحار المنطقة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر حتى الخليج

في خضم توسيع الإمبراطورية، أدخل سليمان إصلاحات قضائية تهم المجتمع والتعليم والجباية والقانون الجنائي حدد قانونه شكل الإمبراطورية لقرون عدة بعد وفاته

لم يكن سليمان شاعراً وصائغاً فقط بل أصبح أيضاً راعياً كبيراً للثقافة ومشرفاً على تطور الفنون والأدب والعمارة في العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية

تكلم الخليفة أربع لغات: العربية والفارسية والصربية الجغائية  هي لغة من مجموعة اللغات التركية مرتبطة بالأوزبكية والأويغورية

بعد خرقه لتقليد عثماني، تزوج سليمان فتاة حريم وهي روكسلانا والتي حققت شهرة تاريخية نظير افتتان السلطان بها وتأثيرها البالغ عليه

تولى ابنهما سليم الثاني خلافة سليمان بعد وفاته في 1566 بعد 46 سنة من الحكم

يعتبر بعض المؤرخين هذا السلطان أحد أعظم الملوك لأن نطاق حكمه ضم الكثير من عواصم الحضارات الأخرى كأثينا وصوفيا وبغداد ودمشق وإسطنبول وبودابست وبلغراد والقاهرة وبوخارست وتبريز وغيرهم

السلطان سليمان القانوني… أكثر ملوك الإسلام جهادا
هو
أكثر سلاطين المسلمين جهاداً وغزواً في أوروبا ووصلت جيوش المسلمين في عهده الى قلب أوروبا عند أسوار فيينا مرتين مجدد جهاد الأمة في القرن العاشر أقام السنّة وأحيا الملّة وقمع البدعة والروافض صاحب انتصار المسلمين في معركة موهاكس التي كانت من أيام الله الخالدة وتُعد غرة المعارك الإسلامية في شرق أوروبا بعد معركة وبوليس وفتح القسطنطينية وهو أعظم سلاطين الدولة العثمانية وأكثرهم هيبة ورهبة في قلوب النصارى وأشدهم خطرا عليهم وكان من خيار ملوك الأرض

حكم المسلمين قرابة ثمانية وأربعين سنة وامتدت دولة الخلافة الاسلامية في عهده في ثلاث قارات وأصبحت القوة العظمى في العالم بأسره بلا منازع وتمتلك أعتى الجيوش والأسلحة وصاحبة السيادة في البحار والمحيطات

استطاع السلطان سليمان القانوني في خلال 48 سنة ان يبسط نفوذ المسلمين من بغداد شرقا الى فيينا غربا ومن موسكو شمالا الى بلاد إفريقيا جنوبا وكانت ملوك أوروبا وأمرائها تدفع الجزية عن يد وهم صاغرون

وواصل السلطان سليمان رحمه الله جهاده ضد النصارى حتى وصلت جيوش المسلمين الى أسوار فيينا مرتين ولم يقدّر الله الفتح إما لتساقط الثلوج وطوال مدة الحصار وإما لتعاون الرافضة واستغلال توغل المسلمين في غرب أوروبا فيعبثوا في مناطق الأناضول والقوقاز

ولكن هيهات هيهات فقد كان السلطان سليمان رحمه الله سدا منيعا ضد أطماع الروافض في الشام ومصر والاناضول وضد أطماع الصليبين في القسطنطينية وشرق أوروبا

ووصلت الدولة في عهده أقصى اتساع لها ولم تصل حركة الفتوحات الإسلامية اقصى من ذلك ووصلت من هيبة السلطان سليمان ان بعث اليه ملك فرنسا يستجديه ويرجوه ان يساعده ضد هجمات شارل كان على موانى فرنسا فأجابه السلطان سليمان وبعث اليه خير الدين بربروس فى سفن حربية حتى استعاد له الميناء المحتل

مات سليمان القانوني في 5/6/7 سبتمبر 1566أثناء حصار مدينة سيكتوار حيث سقط من أعلى الحصان و قد مات في تلك اللحظة إلى أن الجنود لم  يخبروا أحد حتى العودة إلى العاصمة اسطنبول


ضريحه الملحق بمسجد سليمان القانوني

المكان الذي دفن فيه قلب السلطان العثماني سليمان القانوني وأعضاؤه الداخلية، في مدينة « زيغتفار » بالمجر، التي توفي فيها خلال حصارها في السابع من أيلول/سبتمر عام 1566، وهو في الثانية والسبعين من عمره

وعثر الخبراء على القلب وثلاثة من الأعضاء الداخلية للسلطان القانوني، في كنيسة « توربك » التي تعني باللغة العربية « مزار »، والتي تبعد مسافة 3 كيلومترات عن قلعة زيغتفار، بالمدينة

توفى السلطان العثماني قبل فتح قلعة وكان القانوني قد أوصى بدفنه في اسطنبول، ولتحقيق وصيته، تم استخراج أعضائه الداخلية بما فيها القلب ودفنها في زيغتفار، وتحنيط جثمانه ليتحمل الطريق إلى اسطنبول ، حيث دفن هناك

وبعد ذلك قام ابنه السلطان سليم الثاني ببناء ضريح ومجمع للتعليم الديني في المكان الذي دفنت فيه أعضاء والده، وظلت مباني الضريح والمجمع قائمة لمدة 150 عاما، إلى أن خرجت المنطقة عن سيطرة العثمانيين، ومن ثم تعرضت للتخريب وأقيم على نفس المكان  كنيسة “توربك” التي تعني باللغة العربية “مزار”، والتي تبعد مسافة 3 كيلومترات عن قلعة زيغتفار، بالمدينة

أُمُّةٌ لَا تَعْرِفُ تَاَرِيِخَهَا , لَا تُحْسِنُ صِياغَةُ مُسْتَقْبَلُهَا

التاريخ وُجِد لكي نتعلم منه ، أحد مصادر هذا العلم اناس عظماء من المسلمين أضاءوا دروباً لنا لنسير فيها ، لعلنا نتعلم منهم فن الكرامة واعلاء كلمة الله

و من هؤلاء… السلطان سليمان القانوني

المراجع

http://www.forsanhaq.com/showthread.php?t=118460

http://ar.wikipedia.org/

http://www.hukam.net/family.php?fam=86

http://www.nawasreh.com/vb/t45891.html

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=161602

فضيلة الشيخ الناصر الباهي رحمه الله



فضيلة الشيخ الناصر الباهي رحمه الله

مثال الواعظ الناجح والداعيةالمخلص

نشأ رحمه الله وترعرع في ظل أبويه الكريمين الفاضلين الشيخ محمد بن محمود بن حسين بن علي بن حسين بن إسماعيل بن احمد الباهي بن وائل الأنصاري وأمه الحاجة كلثوم بنت الشيخ محمد البحري بن عبد الستار فكان

لهما ابلغ الأثر في نحت شخصيته وتوجيهه التوجيه السليم، فأسرته أسرة فضل وعلم وتقوى وصلاح وفي هذا الجو الديني نشأ الشيخ الناصر الباهي.

فكان مولده في الثاني عشر من شهر ديسمبر من سنة 1906 في تونس العاصمة بالزاوية البكرية العتيدة قرب باب الاقواس .

وللزاوية البكرية دور كبير في نشر القرآن الكريم والمحافظة عليه لقد كانت هذه الزاوية ملجأ وملاذا يجد فيها طلاب العلم والفضيلة والأخلاق مبتغاهم ومرادهم وكانت تمثل قلعة إلى جانب عشرات القلاع المبثوثة في المدن

والأحياء والأرياف أسسها أصحابها على البر والتقوى كالشجرة الطيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها

حفظ الشيخ الناصر الباهي رحمه الله- أجزاء من القرآن الكريم على يدي الشيخ أبي الطيب رحمه الله بالكتاب الكائن بباب سعدون وفي سن السابعة التحق بالمدرسة الصادقية ومنها تحصل على الشهادة الابتدائية ونجح في مناظرة

الدخول إلى التعليم الثانوي وبعد أن تحصل على ديبلوم الصادقية التحق الفقيد بمعهد كارنو وقضى فيه ثلاث سنوات.

التحق الشيخ بجامع الزيتونة الأعظم مؤثرا الجمع بين الثقافتين العصرية الفرنسية والعربية الإسلامية وفي الجامع تدرج الشيخ في سلم الرقي العلمي إلى أن أحرز على شهادة التطويع في العلوم الشرعية وكان ذلك سنة 1923

وكان من زملائه في الدراسة والنجاح ثلة من علماء تونس الأعلام وشيوخها الكرام من أمثال أصحاب الفضيلة الشيوخ محمد الفاضل بن عاشور وأحمد بن ميلاد ومحمد صفر والشيخ احمد شلبي رحمهم الله وغير هؤلاء من

العلماء الأعلام الذين كان لهم شأن وأي شأن في مجالات العلوم الشرعية والدينية وممن رفعوا رأس تونس عاليا في المنتديات والمحافل وممن تكونوا تكوينا علميا أصيلا ومتينا فكانوا بحق حججا تجد لديهم الأمة ضالتها.

لقد تلقى الشيخ الناصر الباهي رحمه الله العلوم الشرعية واللغوية على خيرة علماء جامع الزيتونة وتكون على أيديهم في العقائد والفقه والتفسير والحديث وسائر العلوم الأخرى في حلقات الجامع وعند كل عرصة من عرصاته حيث

يستند شيخ جليل هو بحر في اختصاصه ويحيط به طلاب لا غاية لهم من الحضور سوى التفقه في الدين رائدهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يوفقه في الدين

تلقى الشيخ الناصر الباهي رحمه الله وأجزل مثوبته علوم الشرع على أيدي أعلام كبار كانت لهم في هذه البلاد صولات وجولات وممن تركوا بصماتهم على الأجيال المتعاقبة إذ يكاد إلى عهد قريب جدا لا يكون شاعر أو كاتب أو

ناقد أو باحث أو قصاص أو موظف سام إلا وتتلمذ على أيدي هؤلاء الأعلام الكبار أصحاب السماحة المغفور لهم الشيوخ :

محمد الطاهر بن عاشور و محمد بن يوسف و عبد العزيز جعيط و الحطاب بوشناق و محمد بلخوجة و محمد بلقاضي و حميدة بيرم وغيرهم من العلماء الأعلام والفقهاء الكبار.

وبعد أن تشرف الشيخ الناصر الباهي بالتتلمذ على هؤلاء الشيوخ الكبار جاء دوره ليدرس بدوره فعلم في الجامع علوم اللغة من نحو وصرف وعلم الجغرافيا والتاريخ والحساب .

وبتوجيه من السيد البشير بن عصمان رئيس مصلحة التسجيل إلتحق الشيخ
بقسم العدول وسمي عدلا مترجما ببلدية العاصمة واستمر في هذه الخطة من سنة 1930 إلى أن أحيل على المعاش بعد أن قضى فيها ثلاثا وثلاثين سنة.

ولم يكن عمل الشيخ الناصر الباهي رحمه الله ليصرفه عن نشر العلم وتحفيظ القرآن الكريم فكان عونا ومساعدا لحركة تحفيظ القرآن الكريم التي أسسها المرحوم الشيخ عبد العزيز الباوندي رحمه الله فكون إملاءات قرآنية في أشهر

مساجد العاصمة خصوصا في منطقتي باب سويقة والحلفاوين فكانت للشيخ املاءات في جامع سبحان الله و جامع أبي محمد و جامع البرج و جامع يوسف صاحب الطابع وحفظ القرآن الكريم على يديه وبتشجيع منه

عدد لا يستهان به من سكان هذه الأحياء فصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خيركم من تعلم القرآن و علمه

وباشر الشيخ الناصر الباهي الخطابة الجمعية فتولى نيابة الشيخ عمر بوحاجب في جامع سبحان الله لمدة ثماني سنوات ثم تولى نيابة الشيخ احمد العياري في جامع الكرم ثم سمي في هذا الجامع إلى أن توفي إلى رحمة الله.

فكان الشيخ الناصر الباهي
في جامع سبحان الله وفي جامع الكرم مثال الخطيب الناجح الذي يشد إليه الناس ويتعهدهم بالموعظة الرقيقة المؤثرة ويدفعهم إلى العمل الصالح.

وكان لا يكتفي بإلقاء خطبة الجمعة بل يضيف إليها الدروس والمحاضرات وإملاءات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وفي سبيل أن يشحذ العزائم ويستنهض الهمم كان ينظم بينهم المناظرات ويسند للفائزين الجوائز والمكافآت

وتوجه الشيخ الناصر الباهي رحمه الله صوب العمل الخيري الإنساني فاشرف على الجمعية الخيرية في ضاحية حلق الوادي أين يقضي الشيخ عطلته الصيفية وكون هناك المدرسة الخيرية القرآنية التي خرجت أجيالا من خيرة أبناء تونس

لقد فقد المسجد الجامع في الكرم وحلقات تحفيظ القرآن بباب الأقواس ورواد المقام الشاذلي في موسم الزيارة السنوي في الشيخ الناصر الباهي رحمه الله واعظا كفئا وعالما جليلا وداعية مخلصا قل أن يجود الزمان بمثله.

فإلى رحمة الله ورضوانه والى جنات عرضها السماوات والأراضين أعدت للمتقين الأبرار والى جوار سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

توفي الشيخ الناصر الباهي يوم الاربعاء 11 فيفري 1987

جلال الدين بلخوجة

المصادر:

كتاب الدر الثمين التعريف بأبي الحسن الشاذلي و أصحابه الاربعين صفحة 112

مقال كتبه الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي 2010

وسقطت الديمقراطية…


وسقطت الديمقراطية …

 

بعدم إدانتهم الانقلاب العسكري في مصر سقطت الديمقراطية و الولايات المتحدة و الاتحاد الأوربي و أعضائه في الكذبة الكبرى  »الديمقراطية ». لأنه كلما جاء حزب إسلامي إلى السلطة بطريقة ديمقراطية إلا و باركوا الانقلابات العسكرية و مولوها و خططوا لها و ساندوها إعلاميا.

كانوا يفعلون هذا في امريكا اللاتينية و هم يطبقونه اليوم في الجزائر 1992 مع جبهة الانقاذ و 2006 مع حماس و اليوم 2013 في مصر.

 

لقد تم اللجوء إلى حلفائهم بطريقة أو بأخرى بالقوى الغير الديمقراطية أو بالعنف و بمباركة الدول الغربية المعنية هم وقفوا مع الانقلاب ضد الحكومات المنتخبة. لقد سقطت الديمقراطية و مبادئها و شعارتها عندما أصبحت أداة في يدي شعوب الدول العربية ضد حكامها ,الحقيقة واضحة الغرب الصهيومسيحي لا يريد الاسلام السياسي حلا للعرب يتبجحون بالديمقراطية و العلمانية و شعاراتها كالدفاع عن الحريات المدنية و المستقبل الامني و الغذائي وحقوق المرأة و حقوق الطفل و حقوق الاقليات و و و …شعارات يختفون و راءها لقد سقط القناع .

يريدون اقليات من حلفائهم يحكمون أكثرية …هم يريدون أمن إسرائيل بهذا الانقلاب بعد 60 عاما من حكم العسكر في مصر و ليبيا و اليمن و السودان المقسم و العراق الجريح و الجزائر بلدان غنية بثرواتها الطبيعية شعوبها محرومة غذائيا بسياسة التجويع و علميا و تعليميا بسياسة التجهيل و أمنيا بسياسة التخويف متى كان العسكر ديمقراطي ؟؟؟

يا دعاة الحرية و التنوير و التقدمية ماذا أنتج العسكر بعد 60 عاما…؟؟؟

نعم سقطت الديمقراطية عندما لجأ العسكر إلى الشارع يستمع لمن يريد هو سماعه… فيلغي الانتخابات و الدستور المستفتي فيه الشعب و يحل مجالس المنبثقة عنه و يعيد رجال الفساد الى مناصبهم و يصادر الحريات بغلق المحطات التلفازية و وقتل وإعتقال المناضلين منذ 60 عاما … أهذه هي الديمقراطية يا مفكرين و سياسيي فرنسا ؟؟؟أهذه الديمقراطية يا ديمقراطي بريطانية و ألمانيا و أمريكا و يا حلف الناتو؟؟؟

لقد أسقطتم الديمقراطية و الشعوب لن تسامحكم و التاريخ سيخلد مواقفكم ووقوفكم و رعايتكم للطغيان.

لقد أكدتم عدائكم للإسلام كمشروع سياسي تتبناه شعوب مسلمة.

لقد أيقنت أنكم لا تريدون خيرا بهم هذا هو الدرس و ان ديمقراطيتكم سقطت.

 

كتبه جلال الدين بلخوجة

تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا


الحركة الإسلامية في تركيا

ظهرت شخصية محورية في تاريخ تركيا، وهو القائد الإسلامي الجليل نجم الدين أربكان، الذي قام بتأسيس حزب السلامة سنة 1972م، وكان ينادي بإقامة « النظام العادل »، ويبرز آفات العلمانية التركية المتشددة، ولم يكن حزبه الأول « السلامة » واضح الإسلامية؛ لكي لا يُقتل في مهده، ولكن كان يبدو إصلاحيًّا وطنيًّاNecmettin Erbakan

وبعد تأسيس هذا الحزب الجديد التقى نجم الدين أربكان مع رجب طيب أردوجان، وكان طالبًا في كلية الاقتصاد والسياسة بمرمرة، وأعجب به إعجابًا شديدًا وضمه إلى حزبه السلامة؛ ليبدأ أردوجان خطواته السياسة مع أستاذه الموقَّر أربكان

لم تكن هذه التحركات بعيدة عن أعين النظام التركي العلماني، فقام بحل حزب السلامة في سنة 1980م، وظنوا أن الأمر انتهى بهذا القرار، لكن المُخَضْرَم أربكان عاد وأنشأ حزبًا آخر سنة 1983م أسماه حزب الرفاه، والتي كانت توجهاته إسلامية بشكل واضح

في هذا الحزب الجديد لمع نجم أردوجان بسرعة، وصار أردوجان رئيسًا لفرع الحزب في إسطنبول سنة 1985م وكان عمر أردوجان آنذاك 31 سنة فقط

انتشرت فروع حزب الرفاه بسرعة في تركيا، وبدأت صحوة إسلامية حقيقية في ربوع هذا البلد الإسلامي العريق، ولم تعد هذه الصحوة في القرى فقط، بل وصلت إلى المدن، بل وأصبحت السيطرة الكاملة لهذا الحزب الإسلامي في أهم مدينتين في تركيا، وهما إسطنبول وأنقرة

لقد كانت مفاجأة مدوِّية أن يصعد إسلامي إلى رئاسة بلدية إسطنبول؛ مما يشهد أن الانتخابات في تركيا نزيهة ليس فيها التزوير المشهور في البلاد العربية، وحقق أردوجان في منصبه الجديد إنجازات هائلة؛ ففي خلال أربع سنوات (من سنة 1994م إلى سنة 1998م) استطاع أن ينتشل المدينة من الإفلاس، وأن يحلَّ مشكلات كثيرة مثل انقطاع الكهرباء والمياه، واستطاع أن يحوِّل المدينة من مدينة تتفشى فيها القذارة والإهمال إلى واحة خضراء متميزة، وعندما سألوه عن السر وراء هذا النجاح منقطع النظير، قال في وضوح وشجاعة: « لدينا سلاح أنتم لا تعرفونه، إنه الإيمان، ولدينا الأخلاق الإسلامية، وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام ». وهذه الروح العالية والإنجازات الباهرة أكسبت أردوجان شعبية كبيرة جدًّا في تركيا، بل إنها كانت من أبلغ الوسائل للدعوة إلى الإسلامRefah_Partisi

وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة كبرى بفوز حزب الرفاه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا)، ولكن الرئيس العلماني سليمان ديميريل عهد إلى الأحزاب العلمانية بتكوين ائتلاف ضد حزب الرفاه، ومع ذلك شاء الله أن ينهار هذا الائتلاف ليصعد نجم الدين حدثت أزمة كبرى في داخل الجيش التركي، وفي داخل المؤسسة العلمانية، وكان من رأي بعض قادة الجيش أن يتركوا أربكان في منصبه حيث كانوا يتوقعون فشله، وعدم نجاح مشروعه الإسلامي، وبذلك تصل رسالة سلبية إلى الرأي العام في تركيا، لكن حدث ما لم يتوقعوه، ونجح أربكان خلال عام واحد في خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، واقترب من حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعة، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو الإسلام!

شعر الجيش التركي بالخطر العظيم فأقدم على الخطوة الآثمة وهي الانقلاب العسكري على حكومة أربكان، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر أربكان على الاستقالة، وتم حل حزب الرفاه، وقُدِّم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات، وفي نفس الوقت قُدِّم أردوجان رئيس بلدية إسطنبول إلى المحاكمة بتهمة إثارة الفتنة، وكان من أدلة الحكم ضده أنه قال بعض الأبيات الشعرية في إحدى خُطَبِهِ وفيها « المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حِرابنا، والمؤمنون جنودنا ». وصدر القرار بسجن أردوجان عشرة أشهر، ودخل بالفعل السجن لمدة أربعة أشهر، ثم أفرج عنه لحسن السير والسلوك! كما تم منعه من مزاولة النشاط السياسي خمس سنوات هو الآخررحم الله اربكان

لم ييئس أربكان وأردوجان من هذه الصدمات، فأسس أربكان حزبًا جديدًا أسماه حزب الفضيلة سنة 2000م، ولم يكن هذا الحزب باسمه؛ لأنه ممنوع من مزاولة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، إنما كان باسم أحد أهم أتباعه وهو قوطان، وانضم إلى هذا الحزب أردوجان وعبد الله جول (الرئيس التركي الحالي).

وجد أردوجان وجول أن مصير الحزب سيكون كسابقه، ومن ثَمَّ قادا حركة إصلاحية في داخل الحزب، بل وترشحا ضد قوطان في انتخابات داخلية في الحزب، لكن وقوف أربكان خلف قوطان أدى إلى نجاح قوطان؛ مما دفع أردوجان وجول إلى ترك الحزب مع كامل تقديرهما لأستاذهما وأستاذ الحركة الإسلامية السياسية في تركيا نجم الدين أربكانNouvelle image

قام أردوجان وجول بتأسيس حزب جديد سنة 2001م، وهو حزب العدالة والتنمية، ونفّذا فيه مشروعهما الإصلاحي، ووجد هذا الحزب قبولاً واسعًا في الأوساط التركية الشعبية؛ مما أدى إلى مفاجأة ثقيلة جدًّا سنة 2002م حيث فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 368 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، وأوكل إليه تشكيل الوزارة برئاسة عبد الله جول؛ وذلك لأن رئيس الحزب أردوجان كان في فترة المنع من مزاولة النشاط السياسي، وبعد قليلٍ استطاع البرلمان أن يضغط لتغيير الدستور ليصعد رئيس الحزب أردوجان إلى منصب رئيس الوزراء في تركيا، وذلك في نفس السنة 2002م

وفي سنة 2003م زال الحظر عن أربكان، فأسس حزبًا جديدًا هو السعادة، لكن الشياطين العلمانيين كانوا له بالمرصاد، وفعلوا ما توقعه أردوجان قبل ذلك، حيث تربصوا به واعتقلوه بتهمة اختلاس حزب الرفاه المُنحَلّ، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، مع أنه كان قد تجاوز السابعة والسبعين من عمره

وفي سنة 2006م أكد أردوجان شعبيته بالفوز مرة أخرى في انتخابات البرلمان، بحصوله على 331 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا؛ مما يثبت بوضوح أن الشعب التركي أصبح طالبًا للإسلام بشكل يهدِّد العلمانية بشكل صارخ

أين الجيش التركي في هذه التغييرات الجديدة؟4e4b952e37143_i

قد يفكِّر الجيش التركي في التعامل مع ملف أردوجان مثلما تعامل مع ملف أربكان، ولكن الواقع الذي نراه يرجِّح خلاف ذلك!

فالرأي العام التركي – بل والإسلامي في دول العالم الإسلامي المختلفة – قد يهدِّد سلامة وأمن الجيش التركي إذا أقدم على إزاحة رجل له هذه الشعبية الجارفة، كما أن رغبة القادة الأتراك في الجيش وفي غيره في الالتحاق بالاتحاد الأوربي تضع عليهم قيودًا حقيقية في التعامل مع ملف أردوجان؛ لأن تدخل الجيش التركي في اختيار الشعب سينسف كل الجهود السابقة للالتحاق بركب الاتحاد الأوربي. وأضف إلى ذلك الخطورة الاقتصادية الكبيرة لتدخل الجيش، وليس ببعيد ما حدث من انهيار البورصة التركية بنسبة 10% لمجرد تقديم أردوجان في عام 2008م للمحاكمة للطعن في شرعية حزبه، مع أن المحكمة حكمت في النهاية لصالح أردوجان، وليس ببعيد أيضًا أن تركيا في ظل حكومة أردوجان قد انتقلت اقتصاديًّا من المرتبة 115 على مستوى العالم في مسألة جذب الاستثمارات إلى المرتبة الثالثة والعشرين!

إننا لا نضمن الجيش التركي ولا العلمانيين فيه، ولكننا نضمن ونطمئن تمامًا إلى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإلى أن الإسلام قادمٌ قادم، وإلى أن البركات التي يُنزِلها الله على الذين اختاروا منهجَ الإسلام أكثر وأعظم من أن تُحصى بورقة وقلم، أو تُحسب بالطرق المادية

إنه يكفينا أن نتدبر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69


و نسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام و المسلمين بتركيا

من قصة الحركة الإسلامية في تركيا

الفاضل الدكتور راغب السرجانى

فقه الواقع أو سفراء الاسلام


قرأ رجلٌ من أهل أوروبا عن الإسلام ثم هداه الله تعالى وشرح صدره إلى دين الحق فاعتنقه بعد جهدٍ ذاتي ، وقرر بعد الهداية أن يترك بلاده ويسافر إلى بلاد دينه الجديد حتى يجد من ييسر له سبل التدين المنشود

ولكنه صُدِمَ بَعْد عدة انتقالاتٍ بين البلدان العربية حيث إنه فُوجئَ بضدِّ مطلبه وبغيته ، لقد كان يتخيل أنه سينعم بجنة القرب من أحفاد الصحابة وأرض الأنبياء

فإذا به يشاهد صوراً من البعد النائي بين المعلوم من الدين والواقع الذي يعيشه أتباع الإسلام في أرضهم

وقد قرر أخيراً أن يعود إلى موطنه ويترك البلاد التي زارها فوراً

وقبل أن يترك المدينة التي عاش فيها سنتين قال كلاماً مُرّاً لإمام المسجد الذي كان يصلّى فيه

كان مما قال إننى أحمد الله تعالى على أنني تعرّفت على الإسلام قبل أن أتعرّفَ على المسلمين

لقد كنت أتوقع أن أجد هنا من يساعدني على ديني ، ولكني وجدت الفرق شاسعاُ بين ما عرفته عن الإسلام وبين واقع المسلمين


إنه روجيه غارودي: الحمد لله الذي تعرفت على الاسلام قبل ان اتعرف على المسلمين وحمل رحاله وسافر من حيث جاء

أيها الإخوة المؤمنون

إن حقيقة التدين الصادق هي المحاولة الدائمة لرسم صورةٍ لمجتمع يضم أفراداً ملتزمين ، يحاولون تطبيق أحكام الدين حتى تكون تصرفاتهم هي التعبير الواضح عن دينهم، وحتى يسوّقون دينهم في عيون من يرومون هدايتهم على غرار ما قام به الرعيل الأول من هذه الأمة
حيث كان التجّار الذين طافوا شرق الكرة الأرضية هم مفاتيح الخير ومصابيح الهداية للملايين الذين دخلوا في دين الله أفواجاً
لقد كانوا يسيرون خلف السهول والهضاب يحملون هذا الدين في قلوبهم ، ويظهر عطره الفوّاح على جوارحهم التي لم تعرف الحرام من أي طريق

فصاروا مضرب الأمثال في الأخلاق الكريمة والمعاملة النقية التي جذبت أمما بكاملها إلى الإسلام بغير أن يكون فيهم من يتخصص بالدعوة أو الخطب الرنانة والكلام المعجب
لم يكونوا يحملون خططاً دعوية في رؤوسهم ، ولم يكونوا يعملون لصالح بلدٍ معيّن أو هيئةٍ معينة وإنما كانوا كما قال الله تعالى: { يريدون وجهه….. } ( الكهف28)
وكان حداؤهم على الطريق :{ حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } ( التوبة59)
وقد منحهم شارات الشرف ونياشين الاصطفاء لما قال : { صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ( الأحزاب 23)

نظرة على واقع الأمة

وفي الأزمنة الأخيرة من حياة الأمة يشهد الواقع انفصاماُ صارخا ً بين الادعاء والدليل ؛ بمعنى أن هناك كثيراً من الادعاءات التي ينقصها الدليل

فكل الناس يدعي حسن التدين ويظن أنه على ساحل الهداية منذ أزمان ، ولو تتبعت حاله بشيء من التفرس لوجدت أن الحال ينطق بحسن المقال ورداءة الفعال ما بين القول والفعل كما بين السماء والأرض

لا بد وأن يعلم المسلم أن الله خلقه في هذا الكون سبباً لإقامة دين الله في الأرض وتعريف الناس ما هو هذا الإسلام

بمعنى أنه خليفة عن الله تعالى فى تصريف الحياة بأمر الله ، ومن فضله تعالى على عباده أنه أيدهم بالنبي الذي بين لهم الشرع المجيد

المسلم سفير عن دينه في كل مكان

وأنت يا أخي المسلم مسئول عن هذا الدين وعن إقامته بين الناس وخصوصاً إذا كنا نعيش في بلاد الغربة ، حيث تزداد المسئولية وتعظم قيمة العبد بمقدار ما يحمله من هم هذا الدين

حيث إنك تعيش في عالم غريب في اعتقاده ومبادئه وأخلاقه وسلوكياته، ليس لك أن تنجرف مع الناس الذين تعيش معهم في أخبث عقائدهم وصفاتهم وتصرفاتهم ، بل واجبك أن تقيم الإسلام باسم الله ليفتح الله لك القلوب ولتتمكن من التوحيد الطاهر الذي حرمت منه النفوس العطشى إلى الإسلام العظيم ، الذي لو عرفوه ما تركوه

فلا تكن سبباً في تأخير الهداية التي تملكها للناس؛ لأن الله سائلك يوم القيامة عن ذلك

إنما أنت سفير عن الله وعن رسوله في هذه البلاد التي يسر الله تعالى لك الوصول إليها واكتساب الرزق منها


إنما أنت بينهم للهداية فقط لا للغواية والركض وراء المصالح الدنيوية المؤقتة والشهوات ، هذه ليست أخلاقنا ، هذه ليست رسالتنا ، إنما نحن باختصار حملة دين ، وأهل مسئولية لا ينبغي لنا أن ننساها طرفة عين

دليل السفراء

وأنتم تعلمون – إخوتي – أن كل سفارة لها منهج ونظام وتدابير معينة فما هو دليلك؟

لا شك أنه القرآن وسنة النبي العدنان القائل: { تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي }

فدليلنا على طريقنا هو ما قال الله تعالى وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليس لنا أن نرده أو نحرفه أو نلغيه أو نغير معناه

قال الله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم  } الأحزاب 36)

بل إن الله تعالى حذرنا من مغبة المخالفة فقال: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ( النور63 )

كل فرد على مسئولية

وليعلم كل من اختاره الله تعالى للعيش في هذه البلاد بأنه على مسئولية خاصة به وواجبة عليه ، إنه كالجندي والحارس الذي لا تغفل له عين ولا يغمض له جفن ، إنه حارس أولاده وزوجته من سوء الأخلاق وعدم التدين كما أنه مسئول أن يطعمهم ويكسوهم

والتاجر مسئول عن إقامة دين الله في تجارته وذا يفرض عليه أولاً أن يتعلم أحكام الدين فيما يخص التجارة، فلربما يربح من حرام وهو لا يدرى فيدخل لأجواف أولاده وأهله وأحب الناس إليه ناراً وهو لا يشعر بذلك لجهله واستخفافه بدين الله

كان عمر بن الخطاب يقول : [ لا بيع في سوقنا إلا لمن تفقه في دين الله تعالى ]

والطبيب مسئول عن تقديم الصورة المسلمة في وظيفته ، وكذلك المعلم والموظف ، وكل شرائح المجتمع

والجميع مسئولون مسئولية جماعية عن الهمة العلية للعمل على الدعوة في سبيل الله بالكلمة الطيبة الواعية التي تصدر من عقل ذكي وقلب تقي

مسئولون كذلك عن تقديم العون المالي لمصلحة هذا الدين بدلاُ من انتظاره من الخارج فليس المسلمون في هذه البلد فقراء ، إنما الفقر في القلوب لا في الجيوب

وعلى الأخت المسلمة تقديم أجلى الصور من فيض الخلق الكريم الذي يجمع بين الحياء والوفاء وطهارة اللسان والإحسان إلى الجيران

زيادةً على التحنن الدائم لزوجها وراحته وعفته ومساعدته وعدم إرهاقه مع التمسك الدائم حتى الممات بحجابها الذي هو رمز عفتها ، والتطلع المستمر لأولادها وبناتها لتربيهم على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وعدم تركهم فريسة لهذا الطوفان الإباحي المدمر

خير للمرأة المسلمة أن تربي أولادها ، فتربية الشوارع وأصدقاء السوء تخلق جيلاً بطالاً متسكعاً لا قيمة له ، وأنتم تعلمون ضراوة الواقع الذي يموج بالفتن وفيه كل جراثيم العفن الأخلاقي الذي يؤثر سلباً على تكوين أولادنا

إن مسئوليتنا جميعاً في هذا الصدد هو تكوين جيل جديد قادر على تحمل المسئولية أفضل مما تحملناها ، يحمل هم الإسلام فقط لا هم الدرهم والدينار والشهوات الجامحة والعلو في أرض الله  

أخي المسلم

من المعلوم والمعقول أن فاقد الشيء لايعطيه ، وأن الإنسان لا يمكن أن يحمل رسالة لا يعرف عنها شيئا

لهذا واجب على كل سفير باسم الإسلام أن يعرف ما هو الإسلام، وأن يحاول بنية صافية وصادقة لله تعالى أن يطبق هذا الدين في كل أمور حياته ، في معايشه وعباداته وصداقاته وحبه وبغضه وعطائه وأخذه وكل شئون الحياة

فإذا رآه الأجانب على هذه الصورة أحبوها وأحبوه وسألوا عنه: لماذا يفعل كذا ولا يفعل كذا؟ فنجيبهم : لأنه مسلم يتقي الله ، فيكون فعله في الناس أبلغ بكثير من الوعظ وكثرة الكلام

دياركم تكتب آثاركم

سيسجل التاريخ يوماُ أننا كنا هنا ، لكن ؛ إن كتب التاريخ عنا ماذا سيقول ؟ هل ننتظر أن يجاملنا التاريخ ويقول أننا ربينا جيلاُ على قدر المسئولية ؟

والإجابة لا شك تختلف من إنسان إلى آخر فمن الناس من بنى أولاده وأسرته على تقوى من الله ورصوان ومنهم من بنى بيته وأولاده على شفا جرفٍ هار فانهار به مع أول صدمة فى الحياة

{ دياركم تكتب آثاركم} هكذا قالها النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة والخطاب لكل المسلمين

ديارنا تكتب آثارنا إن صلينا أو فسقنا ، إن كنا نلهو ونلعب أو نهتم بمعالي الأمور ، أنفاسنا في بيوتنا معدودة علينا ، وحركاتنا ، وحسناتنا ، وسيئاتنا ، والله مطلع علينا

إن الغافل والأحمق هو الذي يقول فى نفسه : أنا في بلاد غريبة أفعل ما أشاء، أنا حر ، لا رقيب علي ، وهذا أول طريق الضياع الحقيقي

صورة المسلم في عيون الغربيين

لنحاول أن نغير الصورة السلبية التي ران عليها الكذب أحيانا وشوهتها تصرفات بعض المسلمين المغتربين أحياناً أخرى

صورة المسلم في الإعلام الغربي أنتم تعرفونها ، ليس له في أذهانهم إلا أنه شهواني، إرهابي ، مقيد حرية النساء ، وغيرها من الصور السلبية التي تنفخ فيها نار الحقد الذي يصورنا دائماً بأننا متهمون

وعلى المجال التجاري علينا أن نسأل أنفسنا : يا ترى ماهي صورة المسلم عند غير المسلمين في مجال البيع والشراء ؟ أرجو أن تكون الإجابة فى صالحنا ؛ لأن ذلك من حمل المسئولية وحسن السفارة عن الله ورسوله

ويا ترى ما هي شهادة النساء الأجانب لرجال الإسلام؟ هل يشهدون لهم بالعفة والاستقامة؟

أرجو أن يكون كذلك ؛ لأنها شهادة في صالح الإسلام

يا شباب الإسلام 

ما أجملكم وأنتم في عفة الصديق يوسف، وقوة موسى، وفصاحة هارون، وحلم إبراهيم، وذكر يونس، وحنان يحيى، وسلام عيسى عليه السلام، ومجامع الخلق القويم لسيد الخلق عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ، أنتم تمثلون الأنبياء لأنكم مسلمون ، أنتم للهداية لا للغواية

فليحمل الجميع هم الكلام وليتشرف بالمسئولية من جديد
؛ لأننا إذا لم نكن كذلك – عياذاً بالله – صار المسلم بسوء فعله يصد غير المسلمين عن الإسلام { ربنا لاتجعلنا فتنة للذين كفروا… } ( الممتحنة
5 )  

والحمد لله في بدء وفي ختم


 

حسين شعبان وهدان 


سقوط (المشروع الإسلامي).. لا يعني (سقوط الإسلام)……صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية كتبه زين العابدين الركابي


إذا فشل شعار (الإسلام هو الحل) في دائرة التطبيق على أرض الواقع – كما هو حاصل اليوم – فليس معنى ذلك: أن (الإسلام الحق) هو الذي فشل. فالإسلام الحق المعصوم من الخطأ والفشل هو: القرآن والسُنة..

أما فهم المسلمين للإسلام وتطبيقاتهم له فليست معصومة ألبتة لسبب بدهي وهو: أن الناس خطاؤون. وأن المسلمين بشر من البشر يخطئون في الفهم والتطبيق بلا ريب: جهلا أو هوى.

ولقد اكتنف شعار (الإسلام هو الحل) أخطاء مركبة منها:

1 – أن الشعار ظل مبهما مجملا: لم يفصل بموجب منهج علمي تطبيقي يكون بمثابة (دليل عمل). وكثيرا ما يكون الإجمال (مضلا) في مثل هذه الأمور.

2 – أنه شعار بدا وكأنه عنوان انتخابي يؤهل رافعيه لكسب انتخابي واسع، ولا سيما في بيئة عريقة في التدين، ولا سيما أن برامج الأحزاب الأخرى تخلو من مثل هذا العنوان الجذاب.

3 – أنه شعار بدا وكأنه (بديل تنويمي) لمهمة لا بد منها، أي مهمة (الاجتهاد) العلمي الجاد والخصيب في تفصيل الحلول المطلوبة، وهو تنويم أو تخدير ترتب عليه واقع لا يمكن أن يوصف بأنه جيد أو مريح، بمعنى أنه ليس هناك أي (حل) راشد وناجز لأي مشكلة واقعية: لا أمنية ولا تشريعية ولا سياسية ولا معيشية ولا اقتصادية ولا إدارية إلخ.. مثلا. من المعروف أن مصر بلد سياحي، ويتوقف جانب مهم من دخلها القومي على مورد السياحة من حيث توفير مقادير مجزية من العملة الصعبة، ومن حيث تشغيل عشرات الألوف من المصريين في القطاع السياحي بشتى وظائفه.. ومن المعروف كذلك أنه تشوب السياحة شوائب عديدة: اجتماعية وأخلاقية.. وبما أنه يتعذر أو يستحيل المناداة بإلغاء السياحة في مصر بإطلاق، فإن استمرار السياحة بأقل خسائر اجتماعية وأخلاقية كان يتطلب اجتهادا جديدا ينهض السياحة من جانب، ويتفادى – قدر الإمكان – سلبياتها وشوائبها من جانب آخر، ولسنا نعني بالاجتهاد (مجرد فتوى) مجملة أيضا، فالدول – ولا سيما في عصرنا هذا – لا تدار شؤونها بفتاوى مجملة.. وإنما نعني بالاجتهاد (خطة وطنية) تنبثق من دراسات وبحوث مستفيضة تنتهي بمفاهيم وآليات ومعايير جديدة للسياحة في مصر.. بيد أن شيئا من ذلك لم يحدث، ومن هنا استمر (الوضع القديم) للسياحة (وضع مبارك ومن قبله). فقد مددت الحكومة المصرية الحالية تراخيص كازينوهات شارع الهرم وأمثاله.. وهي خطوة أثارت حنقا دينيا لدى حلفاء الإخوان أنفسهم وهم حزب النور السلفي الذي رفض هذه الخطوة واحتج عليها.

ومن المفارقات: أن الحكام الجدد في مصر (و تونس) فعلوا ما كانوا يشنعون على النظام السابق بسببه..

ومنهم من كان يقول: ((أتسمح مصر بانتهاك أعراضها، وبجلب غضب الله عليها من أجل حفنة من العملة الصعبة ترد إلى خزينتها؟!))!..

وهذا المثل ينطبق على بلدان أخرى تشارك مصر في قضية السياحة هذه، كما تشاركها في رفع شعار الدين الإسلامي.

ومما يدخل في سياق شعار (الإسلام هو الحل)، رفع الصوت بضرورة تطبيق (الشريعة الإسلامية).

وليس يماري مؤمن في وجوب تطبيق الشريعة.. هذه واحدة.. والأخرى أن الشعوب الإسلامية تريد أن تعبد ربها بتطبيق شريعته – سبحانه – عليها.. ومسألة إرادة الشعوب الإسلامية هذه تتطلب توثيقا لئلا يكون الكلام مجرد أمنية صيغت في قالب خبري أو إخباري.. والتوثيق هو: أن دراسة أجراها معهد (يو) للدين والحياة العامة في واشنطن. ولقد أظهرت هذه الدراسة أن غالبية المسلمين حول العالم يؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية في دولهم، وإن اختلفوا حول (كيفية التطبيق).. وعينات الدراسة ونتائجها.. تؤكدان – بالتفاصيل – توثيق الحالة.. فقد شملت الدراسة 38 ألف شخص في 39 دولة في العالم الإسلامي.. وتبين أن 99 في المائة من الأفغان يؤيدون تطبيق الشريعة، وأن 74 في المائة في مصر ينزعون ذات المنزع.. وتتراوح بقية آراء المسلمين بين ذينك الرقمين.

فهل طبق حملة شعار (الإسلام هو الحل): الشريعة الإسلامية؟

لا يبدو ذلك، بل لا يبدو أن هناك (حماسة) لذلك!

ونسارع فنقول: لسنا من المتعجلين في هذا الأمر:

أولا: لأن التعجل في هذا الشأن محفوف بالنزق والتشويش والتشويه واعتساف الخطى.

ثانيا: لأن لتطبيق الشريعة (شروطا موضوعية) في مقدمتها: (الاجتهاد العلمي الفكري الفقهي) المتبحر، وإلا فسيحيق بتطبيق الشريعة ما حاق بشعار (الإسلام هو الحل)..

مثلا، كان الشيخ صالح الحصين – رحمه الله – من أشد الناس حماسة وعملا لتأسيس (بنوك إسلامية) أو غير ربوية، ولكنه بعد علم وخبرة واحتكاك جهر برأي قوي وحر وصادم وهو: أن هذه التجربة لم تنجح، بل التاثت بغيرها من التجارب الاقتصادية الأخرى.

ونحن نسأل: لماذا فشلت هذه التجربة؟

الراجح – عندنا: أن التجربة دخلت حيز التطبيق قبل أن تنضج عمليا، أي قبل أن تكون بين يديها خريطة علمية مفصلة في التأسيس والأداء وابتكار وسائل وأساليب جديدة في هذا الحقل.

ومن القواعد الراسخة في دين الإسلام أن (العلم قبل العمل)، وفي (صحيح البخاري) باب يحمل هذا العنوان.

ثالثا: أن تطبيق الشريعة مشروط بـ(التحرر) من النزعات الحزبية التي تصور الإسلام وكأنه (برنامج حزب) بعينه! فتصغره تصغيرا.

وهذا التحرر جد ضروري لئلا يتورط الحزبيون في خطيئة (الصد عن سبيل الله)، ذلك أن الشريعة للمسلمين كافة: ليست لحزب ولا لجماعة. فإذا صورت الشريعة وكأنها (برنامج حزب) فإن أهل الأحزاب الأخرى، والمستقلين، سيرفضون الشريعة بهذا الاعتبار فتكون فتنة.. سيرفضون دون أن يكفروا، ففي حقيقة الأمر أنهم رفضوا برنامج الحزب المنافس، ولم يرفضوا شريعة الإسلام ذاتها.

ولهذا كله يتوجب التوسع العلمي والفكري في الفصل بين الإسلام الحق (قال الله وقال الرسول) وبين الأحزاب التي ترفع شعار الإسلام.

ولهذا ينبغي أن يطمئن الجميع أعمق اطمئنان بأن سقوط (المشروع الإسلامي) الذي تنادي به أحزاب وجماعات لا يعني – ألبتة – بوجه من الوجوه (سقوط الإسلام):

أ – فالإسلام باق أبدا لأنه (حق).. والحق ثابت لا يزول، ((وبالحق أنزلناه وبالحق نزل)).

ب – والإسلام باق أبدا لأنه كلمة الله الأخيرة إلى البشرية. فلا وحي بعد القرآن، ولا نبي بعد خاتم النبيين محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله وسلم.

والواقع التاريخي يؤكد ذلك ويصدقه.

فهناك مئات التجارب الإسلامية التي جرت تحت عنوان الإسلام ففشلت وسقطت، ولكن الإسلام لم يسقط، بل بقي حيا غضا كأن عهده بالوجود أمس.

والضميمة الخاتمة: أنه يتوجب الفصل التام بين الإسلام وبين حملة شعاراته من حكام محدثين ومن أحزاب وجماعات.. يتوجب ذلك حماية للأجيال الشابة المسلمة من الفتنة في دينها وعلاقتها بربها عز وجل: ((إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)).

زين العابدين الركابي

سني وشيعي ما لا تعرفه عنهما


سني وشيعي.. ما لا تعرفه عنهما

عماد عبدالله عياصرة

الغالبية العظمى من الناس لديها معلومات سطحية عن الطوائف الإسلامية، وغالباً هي معلومات خاطئة، لكنهم يعتمدون عليها في بناء عداء ضخم لبعضهم، لا يتناسب مع حجم المعرفة التي يمتلكونها، فضلاً عن غياب تجربة سابقة أو أي احتكاك مباشر مع أي فرد من الطائفة الأخرى، وهذا يفسر سهولة سيطرة الإرادة السياسية في دول العالم الإسلامي على عقول الأفراد وتوجهاتهم، خاصة إذا كان شيوخ الطوائف يدعمون تلك الإرادة.

يتنامى العداء بين السنة والشيعة بشكل ممنهج، حتى شكّل شرخاً واضحاً في الإسلام، والواقع أنه صنيعة السياسة، وليس صنيعة الإسلام نفسه.

كلمتا سنة وشيعة، هما كلمتان عامتان تشملان عدة طوائف؛ فعند أهل السنة هناك: الماتريدية، الأشاعرة، أهل الحديث، الصوفية بطرائقها العشر، والسلفية التي تقسم إلى: السلفية السرورية، الجامية، الجهادية، والوهابية. وعند الشيعة هناك الزيدية، اضافة إلى الإمامية التي تقسم إلى: الإثني عشرية، الإسماعيلية، والعلوية. ويتفرع من الإثني عشرية والإسماعيلية عدة فروع.

وبالحديث عن الطائفة الزيدية كأحد طوائف الشيعة الرئيسية، فهي تحمل تعاليم فقهية مقبولة عند جميع طوائف الإسلام، وتكاد تشكّل حلقة وصل بين الشيعة والسنة. هناك طائفة تسمى الإباضية، وهي تشكل 75 بالمئة من سكان عُمان، وهم يتواجدون أيضاً في بعض المناطق في الشمال الإفريقي (ليبيا، الجزائر، وتونس)، وهذه الطائفة تقف على مسافة محددة من السنة والشيعة، لكنها أكثر ميلاً إلى السنّة.

بالمرور السريع على الديانة المسيحية، نجد أن طوائف المسيحية الرئيسية (الأرثودوكسية، الكاثولوكية، والبروتستانت) تختلف عقائدياً في مسائل مهمة مثل الروح القدس، طبيعة السيد المسيح، ومريم العذراء. كما أن هناك كثير من الخلافات في التعاليم الدينية، لكن لا تظهر  تلك الخلافات علناً، وهم غير مخترقين نتيجة النظرة العامة إلى الدين كطبيعة جامعة. وهذا ينسحب على الطوائف اليهودية أيضاً، رغم أن الخلافات العقائدية لديهم أكثر تعقيداً.تم برمجة المسلمين وغير المسلمين سياسياً وثقافياً، من أجل خلق انعكاس ديني لأي عمل سياسي تقوم به أي طائفة إسلامية؛ فالسلوك الإيراني السياسي أصبح يرتبط بالإثني عشرية، والسلوك السياسي السعودي أصبح يرتبط بالسلفية الوهابية، وهكذا.

في حين أن جميع المسلمين يعملون جاهدين ومستبسلين على ابعاد السلوك السياسي الإسرائيلي الصهيوني عن الدين اليهودي، ويعملون جاهدين أيضاً على ابعاد السلوك السياسي الأميركي والغربي عن الدين المسيحي

اليوم، لدى المسلمين حالة شمولية خطيرة تعتمد على آليات التدمير الذاتي، يسببها سبات التفكير؛ فأصبح سلوك سني واحد هو حجة على السنّة جميعهم، والأمر نفسه بالنسبة للشيعي

وانحدرت النظرة بحيث أصبح أي فرد في العالم يربط سلوك المسلم -بغض النظر عن طائفته-  بالدين الإسلامي نفسه

بالنسبة له فإن سلوك مسلم واحد هو حجة على الدين الإسلامي بجميع طوائفه

وهذه النظرة لا تنسحب على الأديان الأخرى، ويمكن معها تفسير الصمت العالمي المطبق على المذابح بحق مسلمي الروهينغيا في بورما، نتيجة تعاظم المشاعر العالمية الحاقدة على المسلمين بسبب هجمات المتطرفين الإرهابية من وقت الى آخر، والتي ينكرها الإسلام أشد انكار، وعانت منها بلاد الإسلام أشد معاناة

تستدعي تلك الحالة استحضار الواجب الديني الذي يفرض على المسلمين فهم تعاليم دينهم، وتفاصيل الطوائف، من مصادر متنوعة، تجنباً للفتنة والعصبية، ومن أجل منع أعداء الإسلام من تحقيق غاياتهم. إذا استمر الحال على ما هو عليه، فالنتيجة الحتمية هي الدمار والخراب

ولنا في قصة مدينة « الري » أواخر القرن السابع الهجري خير مثال؛ حيث كانت أعظم المدن بعد بغداد،  فأصبحت خراباً، إذ يروي ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان (117/3):  »  وكانت مدينة عظيمة، خرب أكثرها، واتفق أنني اجتزت في خرابها في سنة 671 وأنا منهزم من التتر، فرأيت حيطان خرابها قائمة، ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب، إلا أنها خاوية على عروشها. فسألت رجلاً من عقلائها عن السبب في ذلك، فقال: أما السبب فضعيف، ولكن الله إذا أراد أمراً بلغه، كان أهل المدينة ثلاث طوائف؛ شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم، لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأما أهل الرستاق، فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفيين، ولم يكن فيهم من الشافعية أحد، فوقعت العصبية بين السنة والشيعة، فتضافر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف

فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية، هذا مع قلة عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم، وكان أهل الرستاق وهم حنفية يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم، فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم

فهذه المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية، وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي أصغر محال الري، ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفي مذهبه، ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض، ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك، فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات، ولولا ذلك لما بقي فيها أحد

لم يفت الأوان، ولا زال هناك فرصة لكي ينتصر المسلمون للإسلام الحقيقي

نحن فقط بحاجة إلى الوقوف للحظات مع الذات

رد مفتي تونس العلامة محمد المختار السلامي على الطالبي



بسم الله الرحمان الرحيم
هدى الله الأستاذ المؤرخ محمد الطالبي

ابتلي إخواني التونسيون ببليتين في عصرنا هذا، وأظن أن كثيرا من المجتمعات الإسلامية في أنحاء العالم، يشاركوننا معاناة البليتين

 
البلية الأولى الاشتغال بالحديث في السياسة، ومثل أكثرهم كالإسفنجة تتشرب ما يصب فيها، دون أن يرتقوا لمستوى ادراك منابع الأخبار ليتبينوا المضللة منها أو الصادقة، ودون أن يكون لهم أدنى تدريب على متابعة الأحداث، وتحليلها تحليلا يرتبها في الزمن ويربط بين الأسباب والمسببات. ثم تجدهم يتعصبون لما يتراءى لهم فيكونون حطبا لمن أعدهم لقبول ما يطوع به الرأي العام. وكثيرا ما تنشر بعض الوثائق السرية، إذا بلغت أمد إخفائها، فتكشف عن قصور في التصور، وعن مغالطات خطيرة حقق بها مروجوها غايات خبيثة، وحيلا شيطانية تحكموا بها في الرقاب والثروات، وغطى النسيان عما اعتقدوه خطأ فلم يعتبروا. وما يزال الأمر جاريا على هذا النحو، والتخدير متواصل

البلية الثانية
اقتحام الأميين في الدين مجالات يستندون فيها إلى عواطفهم وخيالاتهم، فينتصبون مشرعين للأحكام الدينية، والمستوى الثقافي والتعليمي لبعضهم يتنازع مرتبة الباعة المتجولين ومستوى بعض آخر قد يصل الى المستوى الجامعي، ولكن في اختصاصات أخرى. وكل متخرج من الجامعة نثق في المؤسسة التي شهدت له بقيمته العلمية في اختصاصه. وهو أمي فيما عدى ذلك فأستاذ الأدب أو التاريخ غير مؤهل لعلاج المرضى، وهو أمي في الطب، ومن يعتمده في تشخيص أسقامه ووصف الدواء، معرض نفسه للخطر، وإن كان الطب كما هو معلوم يشترك مع الأدب في أن كليهما من العلوم الإنسانية لا من العلوم الصحيحة. والحمد لله أن الحكومات حصنت مواطنيها من الطفيليين في التطبيب بما يعرضهم للمساءلة الجزائية. وكان الأمر على ذلك فيما مضى بالنسبة للعلوم الدينية، يؤدب من لم يبلغ المرتبة العلمية التي تؤهله للفتوى إذا ألبس فلبس، آراءه الشخصية الحق الديني، وليس في هذا رهبنة كما يدعيه الغوغائيون، ولكنه تحصين للإنسان من المضللين ومن الضلال
وممن نشط كثيرا مقدما آراءه وتصوراته، على أنها هي الدين ولفت الأنظار بما علقه من لافتات على شماعته الدعائية ـ دكتور ـ أستاذ جامعي ـ عميد كلية الآداب ـ متحصل على جوائز ـ مرجع ثقافي ورئيس في مؤسساتها. الأستاذ محمد الطالبي الذي يصرح أنه مختص في التاريخ ولا أنازعه في اختصاصه. ويحكم أهل هذا الفن على قيمة اضافته، وعلى مستواه، ونحن ننتظر منه ومن زملائه المؤرخين أن يقدموا لتونس عملا علميا موثقا عن تاريخها وخاصة في القرون الثلاثة الماضية. وكذلك عن التاريخ الإسلامي في الهند والصين ودول الشرق الأقصى، التي أؤكد أنها ما تزال في أشد الحاجة إلى من يبلغ المعرفة الدقيقة عنها، المعرفة التي هي المقوم الأول للتعاون ولكن الأستاذ الطالبي أبى أن يهتم باختصاصه، وتقدم للناس الذين ينبهرون بما علق على شماعته من ألقاب، تقدم أنه عالم ديني تجاوز المعرفة بالأحكام الدينية الى الرتبة الاجتهادية العليا بتأصيل، ما يعتبر دليلا وما لا يعتبر، وما يقدم وما يؤخر. وهي مرتبة الاجتهاد المطلق، وأردت بكلمتي هذه أن أكشف عن حقيقته تبعا لما كتبه ونشره ويتحدث به، وما جرى عليه في حياته
يصف نفسه منذ زمن بأنه قرآني، يشك في صحة السنة، وأداه شكه هذا إلى رفضها وتتبعت بعض ما نشرته صحيفة «الصريح» من ردود عليه التي وإن كشفت بعض الحقائق، إلا أني ما أظن أن لها دورا في التأثير عليه. إذ هو رجل متصلب في شكه، يمثل حلقة من سلسلة الشكاك في تاريخ الفكر الإنساني، التي سار عليها السفسطائيون اليونانيون، فأوقفوا تطور المعرفة بشكهم العدمي، حتى أنقذ الفكر الإنساني سقراط ثم تلامذته من بعده. ولم تُشف الإنسانية من هذا الانحراف، بل يظهر بين الفينة والأخرى من يعتمد الشك العدمي الى عصرنا هذا رغم ما توصل إليه ديكارت من نشر ثقته بأصل ضروري لا يقبل الشك، كان له أثره في التقدم العلمي، سبقه القرآن الى تقريره قال تعالى: «إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون». فوسائل المعرفة اليقينية: الوحي، والعقل. ولكن الشك ينخر عقولا قد تستند إليه حبا في الظهور، بأن الشاك بلغ مرتبة أرقى من بقية البشر، وأن الناس لغباوتهم صدقوا بأشياء لا حقيقة لها. فعل هذا طه حسين، فأنكر الشعر الجاهلي في مرحلة من تاريخ حياته. ولكن الفرق بين طه حسين والطالبي، أن طه حسين خالط الشعر الجاهلي وعرفه، فله بعض العذر فيما وصل إليه، أما الطالبي فهو يشك في السنّة ثم ينكرها وهو لم يخالطها. سمعت منه خلطا يدل على جهله التام بها. قال: إنه يتحدى من يدله على حديث واحد لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر من خالطه. ليس هذا لفظه ولكنه ما بقي في حافظتي من كلامه. إن الأحاديث المسندة الى أبي بكر رضي الله عنه تعد بالمئات. أخرج له الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ثمانين حديثا بإسناده إلى أبي بكر رضي الله عنه، وأثرا واحدا، والأحاديث المروية بطرق صحيحة تسعة وأربعون حديثا، والحسن منها حديث واحد. والضعاف ثلاثون حديثا، انظر المسند تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر
وأما الإمام السيوطي فقد أخرج في جامع الأحاديث لأبي بكر رضي الله عنه اثنين وستين وتسعمائة ما بين حديث وأثر. وآخر حديث رقم 961 عن إسماعيل بن يحيى قال: حدثنا فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل وهب لكم ذنوبكم عند الاستغفار، فمن استغفر بنية صادقة غفر له، ومن قال: لا إله إلا الله رجح ميزانه، ومن صلى عليّ كنت شفيعه يوم القيامة
واعتمد الطالبي الإمام محمد بن إدريس الشافعي في الحديث «كتاب الأم» وأنه يملك نسخة منه في مكتبته. أولا: ما كان كتاب الأم كتابا للشافعي ولكنه إملاءات الشافعي على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي. وثانيا: ما عد من كتب السنة من تاريخ تأليفه إلى اليوم إلا عند القرآني الذي يخلط هذا التخليط الذي لا يميز بين السنة والفقه، إلا أن تكون النسخة التي يملكها مزورة، أو هو لا يحسن قراءتها
ومن ناحية أخرى هو يصرح بأنه قرآني ويرفض السنة، ورغم ذلك فقد واصل في السنين الأخيرة الاعتماد على حديث: الخلق كلهم عيال اللهم
وجعل هذا الحديث عنوانا لأحد الكتيبات التي روجها، وهذا الحديث نص السيوطي في الجامع الصغير رقم 4135 أنه مخرج في مسند أبي يعلى والبزار عن أنس بن مالك والطبراني عن ابن مسعود، وأنه ضعيف. بل حقق ابن الجوزي أنه لا يصح. ولعل مقياس التصحيح عند الأستاذ الطالبي اقتباس أبي العتاهية له لما قال
الخلق كلهم عيال «الله تحت ظلاله ـ فأحبهم  إليه» أبَرُهُم بعياله. وأيضا فقد تكررت منه الدعوة الى التعاون الإسلامي المسيحي فكتب مرة أنه وضع في مصلاه القرآن عن يمينه والتوراة عن شماله، واطمأنت له الكنيسة، معتبرة أنه أحد العلماء الكبار المعتمدين منها لتمرير السياسة التي توختها منذ الفاتيكان الثاني، ومنذ ثلاث سنوات ألف كتابا خص جانبا مهما منه إلى ما في التوراة من تناقضات، وما اشتملت عليه من نصوص مناقضة للعقل. وهو أمر معروف فقد اكتشفه طلبتي منذ أربعين عاما في المقارنات التي كنت أقوم بها عند تحليلنا للقصص القرآني ومقارنة منهجها وصدقها بزيف ما عمرت به التوراة وكذلك الانجيل. ولست أدري هل بقي على وثيق صلته بالكنيسة، أو هو قد ولاها ظهره، وأبعد من مصلاه كتابا ألصق به وصف المقدس، وما أبعد القصص الخيالية، والمفتراة على رسل الله عن التقديس، إذ التقديس للحق لا للكذب والباطلما قدمته يكشف المسافة الكبرى التي تفصله عن السنة، والأوهام التي نشرها بين الناس ويسأل عنها. ولكن الذي حملني على تخصيص بعض أوقاتي لكتابة ما كتبت، ليس لادعائه أنه قرآني شاك رافض للسنة، ولكن الأمر الخطير هو الذي كرره في مقابلته التلفزيونية، أنه يحب الله، وأنه لا يخاف الله، وأنه يسخر ممن يقول بتسجيل أخطاء الإنسان. وينكشف بما ذكره: أولا رفضه للقرآن كرفضه للسنة. إذ أن القرآن كل، ولا يفهم أنه كلام الله إلا على أساس وحدته عند الله، خوطب به البشر على مستوى استعداداتهم. فمن يرفض نصا من نصوصه هو رافض له جميعا، يقول الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد «أي حاضر» سورة ق آية 18.. هذا في الدنيا.. ويثبت القرآن استحضار ذلك في الآخرة: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا سورة الكهف آية 49 ـ والطامة الكبرى التي لم تترك لي عذار في الإغضاء عن الإنكار عليه: ما قدمه بأنه لما كان يحب الله فهو لا يخافه وهذا منه رفض لما ثبت يقينا بالقرآن ثبوتا لا يحتمل التأويل لكثرة وروده بصيغ مختلفة. فمحمد صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يخاف ربه وأن يعلن خوفه للناس. قال تعالى: «قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم» سورة الزمر آية 13. والمرسلون من صفاتهم المُعرفة بهم ما جاء في سورة الأحزاب آية 39 الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ـ والبشر جميعهم مدعوون الى استشعار الخوف قال تعالى: «ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين». سورة آل عمران 175
توجه الأستاذ الطالبي بهذا التصور الخطير للشباب يدعوهم تبعا له، إلى التحلل من جميع القيم الخلقية والواجبات الدينية، ويكفيهم أن يحبوا الله. وهذا مذهب أصوله عند الفرق الضالة من المرجئة، الذين يرون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وهو ما ينادي به الزائفون من الصوفية، وأظن أنه تشربه أيضا من المسيحيين، وبخاصة رجال الكنيسة الذن يبنون وعظهم على الحب. أداهم حبهم هذا الى القسوة التي تقشعر منها أبدان الذين يخشون ربهم، في الحروب الصليبية وأنهار الدماء في بيت المقدس، وفي بلاد العالم الإسلامي من بداية الغزو الاستعماري الى العراق وأفغانستان، وغوانتنامو.. إضافة للحرب العالمية الثانية التي قتل فيها أكثر من خمسين مليونا
مما تأيد به المناهضون للكنيسة المسيحية لتفجير التسلط الكنيسي، التأكيد على أن رجال الكنيسة بشر، وأن العصمة التي يدعونها لا تستند الى دليل
أسقط الأستاذ الطالبي هذا على الشريعة الإسلامية، وأنها عمل إنساني غير ملزم. كون الفقه الإسلامي غير معصوم في جزئيات أحكامه من المعلوم الضروري، وما ادعى أي عالم مسلم حقيقي أنه معصوم ولا أنه يتكلم باسم الله. ولكن الإسلام ميز بين العالم والأمي. وأنزل الله قوله: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.. سورة التوبة 122
فألزم القرآن جميع المؤمنين والمؤمنات أن يعودوا الى الفقهاء لمعرفة الأحكام الإسلامية. والفقيه هو من أخذ عن العلماء، حتى أجازوه بأنه أهل للإفتاء في دين الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: وإنما العلم بالتعلم. والأستاذ الطالبي ليس قطعا من هذا النوع، فهو ملزم بنص القرآن أن يأخذ أحكام دينه عن العلماء، إن كان صادقا في دعواه أنه قرآني
إني أنكر أشد الإنكار على الذين يتسترون بالدين ليعتدوا على غيرهم من مخالفيهم بالقول أو الفعل، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والعقوبات بيد القضاء لا يحل لأحد أن يحكم ثم ينفذ حكمه حتى على من أعلن كفره أو نافق وتستر. وأنكر بنفس المستوى على الذين يرتدون رداء الحرية فيعتدوا بالعنف القولي والفكري على هوية الأمة، ويشككوا في الثوابت اليقينية التي بها تميز الشعب التونسي، من الذين يحكمون حسبما يدعون عقلهم في القرآن فينفون ما لا يتفق مع هواهم، ويسيرون في نفس المنهج الذي سار عليه الضالون من أهل الكتاب الذين شنع بهم القرآن فحذرنا أن نتراخى مثلهم: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض
إن عرض مبدإ الاكتفاء بالحب وحده، وقلع الخوف من الله، زلزال عنيف مقوض لكل القيم السلوكية ودفع لسيادة الفوضى، فرق كبير بين الخوف من الله الذي هو أقوى دافع للشجاعة والاستقامة، وبين الخوف من المستبدين، وقود النفاق. أعتبر رأيه في نظري أسوأ دعوة هدامة تفتح أبواب التحلل، المفسد للعقول والأرواح
إني أذكره أولا أن يتواضع، وأن لا تأخذه العزة بالإثم، وأن يعلن توبته، قمت بواجب الإشفاق عليه، فأرجو أن يهتدي، وإلا فلكم دينكم ولي ديني
إني لا أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. وصدق الله إنما يخشى الله من عباده العلماء

وَرَدَ الْحَوْضَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ


(حديث مرفوع حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ صَالِحِ بْنِ مَسْعُودٍ الْكَلَاعِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَمْنَعُ سَوَادِي وَدَمَامَتِي دُخُولَ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ :  » لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اتَّقَيْتَ رَبَّكَ وَآمَنْتَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ  » . قَالَ : فَوَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَقَدْ شَهِدْتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَالإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَجْلِسَ مِنْكَ هَذَا الْمَجْلِسَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ ، فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :  » مَا لِلْقَوْمِ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ أَخُوهُمْ  » . قَالَ : وَلَقَدْ خَطَبْتُ إِلَى عَامَّةِ مَنْ بِحَضْرَتِكَ وَمَنْ لَيْسَ مَعَكَ فَرَدَّنِي لِسَوَادِي وَدَمَامَةِ وَجْهِي , وَإِنِّي لَفِي حَسَبٍ مِنْ قَوْمِي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ مَعْرُوفُ الآبَاءِ , وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيَّ سَوَادُ أَخْوَالِي , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  » هَلْ شَهِدَ الْيَوْمَ الْمَجْلِسَ عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ ؟  » . وَكَانَ رَجُلا مِنْ ثَقِيفٍ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالإِسْلَامِ , وَكَانَ فِيهِ صُعُوبَةٌ , قَالُوا : لا , قَالَ :  » تَعْرِفُ مَنْزِلَهُ ؟  » , قَالَ : نَعَمْ , قَالَ :  » فَاذْهَبْ فَاقْرَعِ الْبَابَ قَرْعًا رَقِيقًا , وَسَلِّمْ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِ , فَقُلْ : زَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَاتَكُمْ ، وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ عَاتِقٌ وَكَانَ لَهَا حَظٌّ مِنْ جَمَالٍ وَعَقْلٍ , فَلَمَّا أَتَى الْبَابَ قَرَعَ وَسَلَّمَ ، فَرَحَّبُوا بِهِ وَسَمِعُوا لُغَةً غَرِيبَةً ، فَفَتَحُوا الْبَابَ فَلَمَّا رَأَوْا سَوَادَهُ وَدَمَامَةَ وَجْهِهِ تَقَوَّضُوا عَنْهُ , قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِي فَتَاتَكُمْ , فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا قَبِيحًا ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ وَخَرَجَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ خِدْرِهَا , فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ارْجِعْ فَإِنْ يَكُ رَسُولُ اللَّهِ زَوَّجَنِيكَ فَقَدْ رَضِيتُ لِنَفْسِي مَا رَضِيَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ , فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ , وَقَالَتْ لأَبِيهَا : يَا أَبَتَاهُ النَّجَا النَّجَا قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْوَحْيُ , فَإِنْ يَكُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِيهِ فَقَدْ رَضِيتُ مَا رَضِيَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَرَجَ الشَّيْخُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مِنْ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  » أَنْتَ الَّذِي رَدَدْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَدَدْتَ ؟  » قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَظَنَنَّا أَنَّهُ كَاذِبٌ فَقَدْ زَوَّجْنَاهَا إِيَّاهُ , فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِ اللَّهِ أَظُنُّهُ , فَقَالَ الرَّجُلُ : مَا آخُذُ شَيْئًا حَتَّى أَسْأَلَ إِخْوَانِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  » مَهْرُ امْرَأَتِكَ عَلَى ثَلاثَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , اذْهَبْ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ , فَخُذْ مِنْهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ , فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ , وَاذْهَبْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , فَخُذْ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ , وَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , فَخُذْ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ , وَاعْلَمْ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ جَارِيَةٍ وَلا بِفَرِيضَةٍ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَزَوَّجْ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ  » . فَبَيْنَا هُوَ فِي السُّوقِ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي لِزَوْجَتِهِ فَرِحًا قَرِيرَةٌ عَيْنُهُ يَنْظُرُ مَا يُجَهِّزُهَا بِهِ , إِذْ سَمِعَ صَوْتًا يُنَادِي : يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي ، فَنَظَرَ نَظْرَةً إِلَى السَّمَاءِ , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِلَهَ السَّمَاءِ وَإِلَهَ الأَرْضِ وَرَبَّ مُحَمَّدٍ , لأَجْعَلَنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الْيَوْمَ فِيمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالأَنْصَارُ ، وَانْتَفَضَ انْتِفَاضَةَ الْفَرَسِ الْعَرَقِ فَاشْتَرَى سَيْفًا وَرُمْحًا وَفَرَسًا وَاشْتَرَى جُبَّةً وَشَدَّ عِمَامَتَهُ عَلَى بَطْنِهِ وَاعْتَجَرَ بِالأُخْرَى , فَلَمْ يُرَ مِنْهُ إِلا حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ , فَقَالُوا : مَنْ هَذَا الْفَارِسُ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ ؟ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُفُّوا عَنِ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ مِمَّنْ طَرَأَ عَلَيْكُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ حَتَّى يَسْأَلَكُمْ عَنْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِيَكُمُ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ , إِذْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ :  » مَنْ هَذَا الْفَارِسُ الَّذِي لَمْ يَأْتِنَا فَنُرَغِّبهُ فِي الْجِهَادِ ؟ إِذِ الْتَحَمَتِ الْكَتِيبَتَانِ فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَطْعَنُ بِرُمْحِهِ قُدُمًا , إِذْ قَامَ بِهِ فَرَسُهُ فَنَزَلَ عَنْهُ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ , فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَادَ ذِرَاعَيْهِ عَرَفَهُ , فَقَالَ :  » أَسَعْدٌ ؟  » . قَالَ سَعْدٌ : فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ :  » سَعِدَ جَدُّكَ  » , فَمَا زَالَ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَطْعَنُ بِرُمْحِهِ ، كُلَّ ذَلِكَ يَقْتُلُ اللَّهُ بِطَعْنَةِ رُمْحِهِ ، إِذْ قَالُوا : صُرِعَ سَعْدٌ , فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْوَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ بِثَوْبِهِ , وَقَالَ :  » مَا أَطْيَبَ رِيحَكَ وَأَحْسَنَ وَجْهَكَ وَأَحَبَّكَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ  » , فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ , ثُمَّ ضَحِكَ , ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ :  » وَرَدَ الْحَوْضَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ  » , فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ : بِأَبِي وَأُمِّي وَمَا الْحَوْضُ ؟ , قَالَ : حَوْضٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى ، حَافَتَيْهِ مُكَلَّلٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، آنِيَتُهُ كَعَدِدِ نُجُومِ السَّمَاءِ , مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ , وَأَحَلَى مِنَ الْعَسَلِ , مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا  » . قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ وَضَحِكْتَ ، وَرَأَيْنَاكَ أَعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ , فَقَالَ :  » أَمَّا بُكَائِي فَشَوْقًا إِلَى سَعْدٍ , وَأَمَّا ضَحِكِي فَفَرِحْتُ لَهُ بِمَنْزِلَتِهِ مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ , وَأَمَّا إِعْرَاضِي فَإِنِّي رَأَيْتُ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ يَتَبَادَرُنَهُ كَاشِفَاتِ سُوقِهِنَّ بَارِزَاتِ خَلاخِيلِهِنَّ , فَأَعْرَضْتُ حَيَاءً مِنْهُنَّ  » . قَالَ : فَأَمَرَ بِسِلاحِهِ وَمَا كَانَ لَهُ ، فَقَالَ :  » اذْهَبُوا بِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ , فَقُولُوا لَهَا : إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَهُ خَيْرًا مِنْ فَتَاتِكُمْ وَهَذَا مِيرَاثُهُ , وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَذُبُّ عَنِ الْحَوْضِ كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ عَنِ الإِبِلِ أَنْ يُخَالِطَهَا , إِنَّهُ لا يَرِدُ عَلَيَّ حَوْضِي إِلا التَّقِيُّ ، الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي يُسْرٍ وَلا يُعْطُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي عُسْرٍ .

سعد السلمى رضى الله تعالى عنه ورد الحوض و رب الكعبة


 
 

عن أنس رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أيمنعني سوادي ودمامة وجهي من دخول الجنة؟

قال : » لا و الذى نفسي بيده ما أيقنت بربك وآمنت بما جاء به رسوله » قال : فو الذى أكرمك بالنبوة لقد شهدت أن لا إله الا الله وأن محمداً عبده ورسوله من قبل ان أجلس هذا المجلس بثمانية أشهر ولقد خطبت  » أي أراد الزواج « إلى عامة من بحضرتك ومن ليس معك فردوني لسوادي ودمامة وجهي, و إني لفي حسب من قومي من بنى سليم ولكن غلب علَّي سواد أخوالي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هل ُشهد اليوم عمرو بن وهب؟  » وكان رجلاً من ثقيف قريب العهد بالإسلام, فقالوا : لا

قال له : أتعرف منزله؟

قال نعم

قال : فاذهب واقرع الباب قرعاً رقيقاً ثم سلم , فإذا دخلت فقل : « زوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتاتكم »,

وكان له ابنة عاتقة وكان لها حظ من الجمال والعقل , فلما أتى الباب قرع وسلم فرحبوا به حيث سمعوا لغة عربية ففتحوا الباب . فلما رأوا سواده ودمامة وجهه انقبضوا منه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجني فتاتكم, فردوا عليه ردا قبيحا. فخرج الرجل ومضي حتى اتى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت الفتاة لأبيها : يا أبتاه النجاة النجاة قبل ان يفضحك الوحي. فإن يك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجني منه فقد رضيت بما رضى الله لي ورسوله. فخرج الشيخ حتى اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس في ادنى المجلس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت الذى رددت على رسول الله ما رددت. قال قد فعلت وأستغفر الله وظننت انه كاذب فيما يقول , فأما اذا كان صادقا فقد زوجناه , فنعوذ بالله من سخط الله ورسوله , فزوجها منه بأربعمائة درهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزوج وهو » سعد السلمى « :اذهب الى صاحبتك فأدخل بها » فقال : والذى بعثك بالحق نبياً ما أجد شيء حتى أسأل أخواني , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهر أمرأتك على ثلاث نفر من المؤمنين , اذهب الى  » عثمان بن عفان رضى الله عنه فخذ منه مائتي درهم فأعطاه وزاده ,واذهب الى عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه وخذ منه مائتي درهم فأعطاه وزاده , واذهب الى علي كرم الله وجهه وخذ منه مائتي درهم فأعطاه وزاده, فبينما هو في السوق ومعه ما يشترى لزوجته فرحا قرير العين إذ سمع صوت النفير ينادى : يا خيل الله اركبي , يعنى ان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادى : النفير النفير , فنظر نظرة الى السماء ثم قال : اللهم إله السماوات والأرض

وإله محمد صلى الله عليه وسلم لأجعلن هذه الدراهم اليوم فيما يحب الله ورسوله والمؤمنون , فاشترى فرساً وسيفاً ورمحاً , واشترى مجنة وشد عمامته على بطنه واعتجر , ولم يظهر الا عينيه حتى وقف على المهاجرين , فقالوا : من هذا الفارس الذى لا نعرفه؟ فقال لهم علي رضى الله عنه : كفوا عن الرجل فلعله ممن طرأ عليكم من قبل البحريين او من قبل الشام فجاء يسألكم عن معالم دينكم فأحب ان يواسيكم اليوم بنفسه فأقبل يطعن برمحه ويضرب بسيفه حتى نام به فرسه ,فنزل وحسر عن ذراعيه وتشمر للقتال , فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سواد ذراعيه عرفه فقال : أسعد أنت؟

قال : نعم بأبى انت وأمي! قال « سعد جدك » فما زال يطعن برمحه ويضرب بسيفه كل ذلك يقتل اعداء الله , إذ قالوا: » صرع سعد « ,

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا نحوه فأتاه فرفع رأسه ووضعه على حجره ومسح عن وجهه التراب بثوبه وقال:

ما أطيب ريحك وأحبك الى الله ورسوله فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم اعرض بوجهه ,

ثم قال:ورد الحوض ورب الكعبة. قال ابو لبابة : بأبي انت وأمي يا رسول الله , وما الحوض؟ قال:  » حوض اعطانيه ربى عرضه ما بين صنعاء الى بصرى ,حافتاه مكللتان بالدر والياقوت ماؤه اشد بياضا من اللبن واحلى من العسل من شرب منه شربة لا يظمأ ابداً » فقال : يا رسول الله رأيناك بكيت ثم ضحكت ثم أعرضت بوجهك .

قال : اما بكائي فبكيت شوقاً الى سعد , واما ضحكي ففرحت بمنزلته من الله تعالى وكرامته على الله واما اعراضي فإني رأيت ازواجه من الحور العين يبادرونه كاشفات سوقهن باديات خلاخيلهن , فأعرضت عنهن حياء منهن, فأمر بسلاحه وفرسه وما كان له من شيء , فقال اذهبوا به الى زوجته فقولوا : ان الله قد زوجه خيرا من فتاتكم .

 

 
 

%d blogueurs aiment cette page :