رحلة في تاريخ تاسيس امريكا


جلال الدين بلخوجة

رحلة في تاريخ تأسيس امريكا

هناك أميركا جورج بوش الأب و ابنه وأميركا الحقوق المدنية والحريات وأميركا حقوق الإنسان و أمريكا الهنود وأميركا الزنوج كيف يمكن التمييز إذن بين أميركا التي أبادت الهنود الحمر وأميركا الديمقراطية وبلد الحريات على الرغم من أن كلا التصنيفين يقوم على نفس العقلية المؤسساتية التي قامت عليها دولة الولايات المتحدة ونظامها السياسي؟ للإجابة يجب أن نلقي نظرة تاريخية عن تكوين أمريكا

في الحقيقة أن فكرة أميركا التي جاء بها المهاجرون الأوائل الذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم البيوريتان (الأطهار) كانت الرواية الإنجليزية لفكرة إسرائيل التاريخية، أي أنها تريد احتلال الأرض واستبدال شعب بآخر وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ

وما هو الدين المدني الأميركي؟
باختصار شديد هو منظومة العقائد والإيثوس التي استوعبت كل أيديولوجية البيوريتان الأولى وأشبعت بها الأفكار السياسية والاجتماعية والأيديولوجية والوطنية الحديثة وعممت على مختلف فئات الأمة الأميركية. هذا ما تجلى مثلاً في فكر الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عندما يقول « نحن هنا لتحقيق إرادة الله ». طبعا لا يحدد كينيدي أي إله. فهو لا يقول إنه الإله اليهودي ولا المسيحي ولا إله المسلمين، لكنه كان يشير إلى المهمة الموكلة من الله « للشعب المختار »، وما صار في حقب مختلفة يسمى بالتفوق العرقي: أبيض ضد أسود أو ملون، مسيحي ضد وثني أو غير مسيحي، وغير ذلك من الثنائيات التي صار آخرها هو ثنائية الديمقراطية والاستبداد

هناك حاخام أميركي يدعى لي ليفنغر وضع كتابا عن تاريخ اليهود في أميركا قال فيه إن الثقافة الأميركية أكثر يهودية–من اليهود أنفسهم. فالمهاجرون الأوائل الذين خرجوا من بريطانيا وهولندا إلى العالم الجديد كانوا يسمون أنفسهم أيضا « العبريين » البيوريتان ، وعندما وصلوا إلى أميركا أطلقوا على الأرض الجديدة اسم « بلاد كنعان، وصهيون وأرض الميعاد »، وأول كتاب وضعه توماس مورتن كان عنوانه « بلاد كنعان الإنجليزية »، ولذلك كان هذا المهاجر البيوريتاني يطلق اسم الهنود الحمر على السكان الأصليين -وطبعا هم ليسوا هنودا بالتأكيد ويشعر براحة كبيرة في إزالتهم من الوجود، ليقينه أنه يمتلك من الله تفويضا بذلك، وأن الله خلق هؤلاء الهنود الحمر لهذه الوظيفة، كما سخر الله الماشية للذبح والركوب والتنقل، أي كأن الله فوضه بإدارة مسلخ بشري وبالتالي فإن الجرائم ارتكبت باسم هذا المعتقد وفي هذا الإطار

ويكفي على ذلك دليلا القول ما فعله كريستوفر كولومبس -مكتشف أميركا- عندما وصل إلى العالم الجديد

هناك لفتة تاريخية يجدر ذكرها عن كولومبوس وهي أنه أوصى في مذكراته بالاستفادة من ذهب العالم الجديد لتحرير بيت المقدس، لكن العالم الجديد كان محط غزو للعديد من الشعوب الأوروبية تحديدا مثل الإسبان والبرتغاليين والألمان الذين جاؤوا ناهبين لخيرات وثروات القارة المكتشفة. لكن من جاء وفقا لتصور أيديولوجي وعقائدي للمستقبل ورؤية محددة حيال السكان الأصليين إضافة إلى سعيه لنهب الثروات هم الإنجليز، حتى إن سجلهم سابق على الهجرة إلى العالم الجديد كما تشهد على ذلك مأساة الأيرلنديين

وهناك مؤرخ أيرلندي هو نيكولاس كان يتحدث عن تلك الفترة وكأنه يتحدث عما جرى في فلسطين ، فما فعله الإنجليز بالأيرلنديين يتطابق تماما مع ما فعله ويفعله الصهاينة الآن مع الشعب الفلسطيني

إذا بعد هذه اللمحة التاريخية يمكننا أن نجزم أن تكوين أمريكا جاء وفقا لتصور أيديولوجي وعقائدي

وهل توجد رابطة قوية بين ما يسمى العلمانية والوطنية هناك العديد من الطبقات الثقافية التي تخفي في طياتها ما هو أخطر، فعندهم العلمانية  هي فصل الدين عن الدولة وعندها نسألهم ما هو دينكم ؟ فيمكن أن ترى العنصرية وفكرة الكنعنة عند رجل الدين ظاهرة بوضوح ولكن الأمر ربما لا يبدو كذلك لدى الرجل العلماني فانه يتلون فتارة يدخل بالعولمة وتارة بالوطنية و تورا بالديمقراطية والحريات

إن ثقافتي العربية الإسلامية هي التي تفرض علي أن أرى وأقرأ بعيون عربية وتقتضي مني أن أنبه إلى الخطر المحدق بنا جسدًا وثقافة وتاريخًا وحضارة

إننا أمة مهددة بالأيديولوجية والعلمانية

Publié le 9 avril 2011, dans مقالات. Bookmarquez ce permalien. Poster un commentaire.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :