محمد فتح الله كولن …أب الإسلام الاجتماعي


محمد فتح الله كولن …أب الإسلام الاجتماعي

حلمه أن يسود العالم الحب والعلم

مرشد جماعة النور بتركيّا، ومجدّد حركة الشيخ سعيد النورسي، مفكر وزعيم إسلامي بارز وداعية تركي

ولد محمد فتح الله بن رامز أفندي كولن أو( فتح الله جولان أو فتح الله غولان) في 27 أفريل 1941 في قرية صغيرة تابعة لقضاء حسن قلعة ‏المرتبطة بمحافظة أرضروم، وهي قرية كوروجك ونشأ في عائلة متدينة

حياته

حفظ القرآن على والدته في سن مبكّرة وكانت ‏أمه توقظه وسط الليل وتعلمه القرآن ، ودرس العربيّة والفارسيّة على والده، وتتلمذ على  الشيخ عثمان بكتاش في النحو والبلاغة وأصول الفقه، وقرأ رسائل النور لسعيد النورسي وتفاعل معها، وأعجب بمنطلقاتها الفكريّة والدعويّة، وتربى فتح الله جولن في أحضان طلبة النور منذ عام 1957، ودرس أعلام الفكر الإسلامي المعاصر وأمعن في قراءة سيرة زعماء الإصلاح في القرون الأخيرة، وتابع التيارات الإصلاحية التي ظهرت في شتى البلدان الإسلامية.

كان حلمه وهو في الثانية أو الثالثة عشرة من عمره أن يسود الحب والعلم العالم، وكان يقول: كنت أحمل كتابا في يد وخريطة للعالم في اليد الأخرى سائلا ربي: « كيف يمكننا يا رب أن نصبح عالما يربطه الأمل والحب والعلم وقد حلت مشكلاته الاجتماعية؟ »

كان والده (رامز أفندي) شخصًا ‏مشهودًا لـه بالعلم والأدب والدين، وكانت والدته (رفيعة خانم) سيدة معروفة بتدينها وبإيمانها العميق بالله، ‏وقامت بتعليم القرآن لابنها محمد ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره، حيث ختم القرآن في سن مبكرة

كان بيت والده مضيفًا لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة لذا تعود محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم

درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى (التكية) أيضًا، أي تلقى تربية روحية إلى ‏جانب العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضًا من علماء معروفين من أبرزهم عثمان بكتاش الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية ‏والفلسفة أيضاً. في أثناء أعوام دراسته تعرف برسائل النور وتأثر بها كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف (رسائل النور)

وبتقدمه في العمر ازدادت مطالعاته وتنوعت ثقافته وتوسعت فاطلع على الثقافة الغربية وأفكارها وفلسفاتها ‏وعلى الفلسفة الشرقية أيضاً وتابع قراءة العلوم الوضعية كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء…إلخ

عندما بلغ محمد فتح الله العشرين من عمره عيّن إماماً في جامع (أُوجْ شرفلي) في مدينة أدرنة حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جو من الزهد ورياضة النفس. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا لضرورة

بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع (كستانه بازاري) في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول. وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من ‏أدرانها، ويذكرها بخالقها وربها ويرجعها إليه. كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد ‏الذي ينير أمامها الطريق إلى الله وإلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم‏.

وكان يجوب البلاد طولاً وعرضاً كواعظ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع. كما كان ‏يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية

ويعقد الندوات والمجالس واللقاءات الخاصة يجيب فيها على الأسئلة الحائرة التي تجول في أذهان الناس ‏والشباب خاصة ولا يعرفون لها أي جواب مما كان يلقي بهم في مهالك الشبهة والإلحاد. فكانت أجوبته هذه ‏بلسماً شافياً لعقول وقلوب هؤلاء الشباب والناس مما جعلهم يلتفون حوله ويطلبون إرشاداته. كما حثّ أهل ‏الهمة والغيرة على الاهتمام بمجال التعليم. ونتيجة لذلك قام هؤلاء الذين استفادوا من أفكاره – دون انتظار ‏أي نفع مادي أو دنيوي – وضمن إطار القوانين المرعية في تركيا بإنشاء العديد من المدارس والأقسام الداخلية، ‏وبإصدار الجرائد والمجلات وإنشاء المطابع وتأليف الكتب ومحطة إذاعة وقناة تلفزيونية. وبعد انهيار الاتحاد ‏السوفيتي انتشرت هذه المدارس في العالم بأسره، وخاصة في دول آسيا الوسطى التي عانت من الاحتلال ‏الروسي ومن الإلحاد الشيوعي سبعين عاماً تقريباً

أدرك فتح الله كولن في وقت مبكر أن المجتمع التركي، ومجتمعات العالم الإسلامي عامة تعاني من ثلاث علل كبرى هي: الجهل، والفقر، والتفرق، فنذر نفسه للدعوة إلى العلم والعمل لتفعيل مشروع تربوي متكامل، وحث الأثرياء على التضامن الاجتماعي ومساعدة الفقراء والاستثمار في مجالي التربية والتعليم

التسامح و الحوار

بدأ الأستاذ فتح الله -ولا سيما بعد عام 1990- بحركة رائدة في الحوار والتفاهم بين الأديان وبين ‏الأفكار الأخرى متسمة بالمرونة والبعد عن التعصب والتشنج، ووجدت هذه الحركة صداها في تركيا ثم في ‏خارجها. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها في الاجتماع الذي تم عقده في الفاتيكان بين الشيخ فتح الله وبين ‏البابا إثر دعوة البابا لـه. لقد آمن بان العالم أصبح -بعد تقدم وسائل الاتصالات- قرية عالمية لذا فان أي ‏حركة قائمة على الخصومة والعداء لن تؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وأنه يجب الانفتاح على العالم بأسره، ‏وابلاغ العالم كله بان الإسلام ليس قائماً على الإرهاب -كما يصوره أعداؤه- وان هناك مجالات واسعة ‏للتعاون بين الإسلام وبين الأديان الأخرى .

واهتم الأستاذ فتح الله كولن بفكرة الحوار والتواصل والتفاهم بين التيارات الفكرية المختلفة على المستوى المحلي داخل تركيا، وعلى المستوى الإقليمي والدولي بين أتباع الديانات وأبناء الحضارات والثقافات المتعددة، ودعا إلى نهج التعارف والاحترام المتبادل والتسامح والتعايش ونبذ التعصب وإدانة العنف

ومدّ جسور الحوار مع الأمّة المسيحيّة فقام بزيارة الفاتيكان بدعوة من البابا، وأجرى معه حواراً مفيداً

أبو الإسلام الاجتماعي

رحم الله اربكانعلى عكس نجم الدين أربكان الذي يعد أب الإسلام السياسي في تركيا، فإن فتح الله كولن هو أب الإسلام الاجتماعي. فهو مؤسس وزعيم « حركة كولن »، وهى حركة دينية تمتلك مئات المدارس في تركيا، ومئات المدارس خارج تركيا، بدءا من جمهوريات آسيا الوسطى، وروسيا وحتى المغرب وكينيا وأوغندا، مرورا بالبلقان والقوقاز. كما تملك الحركة صحفها ومجلاتها وتلفزيوناتها الخاصة، وشركات خاصة وأعمال تجارية ومؤسسات خيرية. ولا يقتصر نشاط الحركة على ذلك بل يمتد إلى إقامة مراكز ثقافية خاصة بها في عدد كبير من دول العالم، وإقامة مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي واميركا، بالتعاون مع كبريات الجامعات العالمية من اجل دراسة الحركة وتأثيرها وجذورها الثقافية والاجتماعية

منهجه

وكان من منهجه الانفتاح على الإنسانية بأسرها، وإبلاغ العالم كله بأن الإسلام دين الرحمة، ويدعو إلى الاخوّة بين بني البشر، وأنّ المسلم لا يمكن أن يكون إرهابيا وأن الإرهاب لا يمكن أن يكون مسلماً

ما تتميز به حركة كولن عن باقي الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم هو أنها غالبا تلقى ترحيبا كبيرا من الغرب. إذ تعتبر هي « النموذج » الذي ينبغي ان يحتذى به بسبب « انفتاحها » على العالم، وخطابها الفكري. فمثلا إذا كان أربكان يرى أميركا عدوا للعالم الإسلامي بسبب تحكم « الصهيونية العالمية » في صنع القرار فيها، فإن كولن يرى ان اميركا والغرب عموما قوى عالمية لابد من التعاون معها. وإذا كان أربكان يرى ضرورة الوحدة بين العالم الإسلامي، وهي الافكار التي بلورها عمليا في تأسيسه مجموعة الثماني الإسلامية، فإن كولن لا ينظر إلى العالم العربي وإيران بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان هم المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم اقليات تركية هامة، وهو يرى انه إذا كان لتركيا يوما ما ان تعود لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية، فلابد من نفوذ قوي لها وسط الاتراك في كل مكان في العالم. لكن كولن من البراغماتية والذكاء بحيث لا يستخدم تعبير « القيادة التركية » في المنطقة، كما لا يدعو إلى استقلال الاقليات التركية في وسط آسيا، ولا تمارس جماعته انشطة تعليمية في البلاد التي يمكن ان تتعرض فيها الاقلية التركية لمشاكل من قبل النظم الحاكمة مثل الصين وروسيا واليونان122113_1611_2.jpg

وأول ما يلفت النظر في كولن هو أنه لا يفضل تطبيق الشريعة في تركيا، ويقول في هذا الصدد ان الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الاقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وانه لا داعي لتطبيق احكام الشريعة في الشأن العام. ووفقا لهذا يعتقد كولن ان الديمقراطية هي أفضل حل، ولهذا يكن عداء للأنظمة الشمولية في العالم الإسلامي. ومع ان اربكان ينظر اليه بوصفه استاذ رئيس الوزراء التركي رجب طيب اروغان، إلا أن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم تشير إلى ان كولن هو أستاذ اردوغان الحقيقي

ازدهرت حركة فتح الله كولن في إطار انتعاش الحركات والطرق الدينية في تركيا في الثمانينيات من القرن الماضي. فبعد الانقلاب العسكري بقيادة كنعان افرين عام 1980، والقرارت التي اتخذتها الحكومة العسكرية والمتعلقة بتحرير الاقتصاد وخصخصة الاعلام واتاحة حرية عمل أكبر، للمنظمات المدنية بما في ذلك الجماعات الدينية، بدأت الطرق الدينية في الازدهار ومنها « طريقة النور » التي أسسها الصوفي الكردي سعيد النورسي (1873- 1960) والتي خرجت منها وتأثرت بها لاحقا حركة كولن. وجوهر فلسفتها ايجاد مجتمع إسلامي ملتزم، لكن في الوقت نفسه متلهف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم لإنهاء تقدم العالم الغربي على العالم الإسلامي. واليوم يقترن اسم فتح الله كولن بمصطلح الإسلام التركي المتنور أو المعتدل، إذ حاول فتح الله كولن مع مؤيديه تأسيس حركة دينية سياسية اجتماعية حديثة تمزج الحداثة، بالتدين بالقومية بالتسامح بالديمقراطية. ووضع الإسلام والقومية والليبرالية في بوتقة واحدة. وكتبت الكثير من الدوريات الغربية عن كولن تصوره كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، لكن معارضيه يقولون عنه انه الخطر الحقيقي على العلمانية التركية، ويتهمونه بمحاولة تقويض العلمانية التركية عبر أسلمة الممارسات الاجتماعية للأتراك

في الفترة الأخيرة عدل من منهجه ليتوافق مع متطلبات القومية التركية مضيف اليه مسألة شرعية محاربة الارهاب واقام علاقات جيدة مع الدوائر الأمريكية ومنها دوائر القرار السياسي

هجرته

طلب المدّعي العام التركي إنزال عقوبة الإعدام بحقّه بسبب أشرطة تتضمّن محاضرات له وأحاديث، ينتقد فيها النظام العلماني التركي، و اتهمته السلطة بالسعي لتغيير نظام الحكم، والسعي للاستيلاء على السلطة، إلاّ أنّه نفى التهم التي وجّهت إليه، ووصف الحملة المغرضه بأنّها افتراءات كاذبة، ومكائد يدبّرها له أعداؤه

وتتضمّن مذكرة المدّعي العام التركي بحق الشيخ: إعداد جيل من الشباب في المدارس التابعة للجماعة للتغلغل بواسطتهم في مؤسّسات الدولة المختلفة وخاصّة وزارة التربية والتعليم، وأجهزة الأمن، والقوّات المسلّحة في خطوة تستهدف قلب النظام السياسي المستند إلى مبدأ العلمانيّة، وفرض نظام يعمل وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة

وخرج من تركيّا مهاجراً وقد هدّه المرض فأقام في أمريكا عاكفاً على العبادة والبحث والتأليف وإنضاج الأفكار

مؤلفاته

لفتح الله كولن 60 كتابا، وقد حصل على العديد من الجوائز على كتبه هذه، وأغلبها حول التصوف في الإسلام ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم

ألف في السيرة النبوية كتابا حديثا أسماه (النور الخالد) الدراسة العلمية لسيرة النبوية

ألف نحو خمسة وستين كتاباً باللغة التركيّة، ترجم معظمها إلى اللغات الأخرى منها: (روح الجهاد وحقيقتة في الإسلام) و(طرق الإرشاد في الفكر والحياة) و(جيل الحداثة) و(القدر في ضوء الكتاب والسنّة) و(أضواء قرآنيّة في سماء الوجدان) و(الموازين أو أضواء على الطريق) و(نحن نقيم صرح الروح) و(أسئلة العصر المحيّرة) و(حقيقة الخلق ونظريّة التطوّر) و(النور الخالد محمد صلّى الله عليه وسلّم معجزة الإنسانيّة) و(السنّة تقييدها ومكانتها في الشريعة الإسلاميّة) و(البيان) و(التلال الزمرّديّة نحو حياة القلب والروح) و(أضواء قرآنيّة في سماء الوجدان) و(ترانيم روح وأشجان قلب) و(تعليم العربيّة بطريقة حديثة) وله ديوان شعر بعنوان (المضرب المكسور)

مصادر

http://ar.fgulen.com/ موقع محمد فتح الله كولن

اسلام أون لاين، أخبار العالم ـ من هو فتح الله جولن؟ وما هي ملامح المشروع الذي يقدمه إلى العالم؟ مجدي سعيد

فتح الله كولن: إسلام ..بطعم الحكمة، د. نوزاد صوش، 10/5/2010

فتح الله كولن ..حكيم الفكر الإسلامي المعاصر، د. فؤاد البنا 28/4/2010

فتح الله كولن ..جيلاني العصر، عبد العزيز العسالي، 7/5/2010

المسلم نت، تجربة فتح الله كولن في مؤتمر بالقاهرة يناقش الإصلاح، 29/10/1430

تركيا من أتاتورك إلى أردوغان(الحلقة السادسة)

الرجل الذي يحبه أتراك… ويخافه أتراك، جريدة الشرق الأوسط، 25 أكتوبر

وصلات خارجية

فتح الله جولن.. المفكر الأول في العالم، إسلام أون لاين

فتح الله كولن « خميني الأتراك » والدرويش العملاق، السياسي، 24 سبتمبر


Publié le 21 décembre 2013, dans مقالات. Bookmarquez ce permalien. Poster un commentaire.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :