عالمية الاسلام وصلاحه لكل زمان و مكان


الدين الإسلامي الذي تم ختم الرسالات به لا يمكن إلا أن يكون عالمياً وصالحاً لكل زمان ومكان، وهو أوسع من أن تشمله دائرة أيديولوجية تجعله يدور فيها مفرغاً من كل القيم الإنسانية التي أتى بها، وعلى رأس تلك القيم حرية اختيار الإنسان وقراراته

{من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}

والله تعالى حين وهب للإنسان العقل جعله حراً، على أن يتعامل مع أخيه الإنسان من منطلق إنسانيته دون النظر إلى قوميته أو عرقه أو ملته الدينية، اقرأوا قوله تعالى

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي أن حرية الاختيار وانقياد الإنسان الطوعي لاختياراته، يولدان الاختلاف بين الناس، ومن هنا قوله تعالى {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي بسبب الحرية ينتج الاختلاف بين الناس في الخيارات والآراء والتصورات، وقد خلقهم الله ليتمتعوا بهذه الحرية … ولذلك خلقهم

أما تعريف الإسلام الأيديولوجي التراثي المنثور في كتب الفقه وأصوله وسياسته التشريعية، فلا يتناسق أبداً مع مفهومه في التنزيل الحكيم. وأي حركة من حركات الإسلام السياسي اليوم لا تأخذ بالاعتبار أن التاريخ يسير إلى الأمام وأن نصوص الفقه وسياسته الشرعية مُتجاوزة زماناً ومكاناً، وقد وضعت ضمن أطر سياسية مرحلية معينة ولا يمكن إلا أن تكون تاريخية فقط

و تأسيس أي دولة لا يمكن إلا أن يساير التطور التاريخي للإنسانية، فالدولة هي نتاج اجتهاد إنساني بحت، يتطلب تأسيسها موافقة الشعب على الخضوع لسلطة هذه الدولة، مقابل ضمان تأمينها لحقوقه في الحرية والكرامة والأمان والعيش المحترم، وتطبيق القوانين المتفق عليها بحيث تتحقق المساواة لجميع أفراد المجتمع دون تمييز

عالمية الإسلام تعني أن الإسلام لم يكن يوماً للعرب، ولم يكن القرآن يوماً لقريش فهو، منذ اليوم الأول سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين، أو يخاطب قريشاً، أو يخاطب العرب أجمعين، أو يخاطب الناس كافة، إنما يخاطبهم بمبدأ واحد، ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد.. هو إخلاص العبودية لله، والخروج من العبودية للعباد.. إلى العبودية لرب العباد بل إن هذه الحقيقة هي فحوى دعوة الأنبياء جميعاً

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

إن هذا الدين ليس إعلاناً لتحرير الإنسان العربي ! وليس رسالة خاصة بالعرب

انه رب العلمين . ! إن موضوعه هو الإنسان.. أي إنسان.. ومجاله هو الأرض.. كل الأرض إن الله سبحانه ليس رباً للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون الإسلام وحدهم

وقد أكدت هذه الحقيقة آيات القرآن الكريم، كما بينتها الأحاديث النبوية، والسلوك النبوي الشريف، وهي كثيرة نستعرض بعضاً منها

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة ص الآية: 87 ]

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة التكوير الآية: 27]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

[سورة الأنبياء الآية: 17]

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ

[سورة آل عمران: الآية 96]

وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

[سورة يوسف الآية: 14]

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا

[ سورة الفرقان الآية: 1 ]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا

[سورة سبأ الآية: 28

إننا نحن المسلمين نحمل مشروعاً حضارياً رائداً، لُحمته الربانية، وسُداه البر والقسط، نبذله إلى العالمين ما داموا لا يقاتلوننا في الدين، ولا يصادرون علينا حقنا في أن نبسط دعوتنا إلى الآخرين

فليس على دعاة الدين الحق والرسالة الخاتمة من حرج أن يطوفوا بدعوتهم في المشارق والمغارب، يوطِّئون للحق مهاداً، وينشرون له أعلاماً في إطار قاعدة

لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ

[البقرة:256]

وتحت خيمة الربانية التي ترعى حقوق الموافقين والمخالفين، حتى يتفيأ العالم ظلال هذه الرحمة العامة، يفيء إليها من هجير الظلم، ورمضاء الأثرة، والجشع، والأنانية، ويجد له موقعاً في سفينة الإسلام، التي تمخر به عباب هذه الفتن المتلاطمة، حتى ترسو على شاطئ النجاة في الآخرة .


Publié le 4 août 2014, dans مقالات. Bookmarquez ce permalien. Poster un commentaire.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :