غزّة تعيش حالة اختصار التاريخ والجغرافيا


 

لا شكّ أنّ الحرب على غزّة قد أدمت قلوب المستضعفين في الأرض بل وقلوب أحرار العالم بأسره وكل المنتمين إلى الإنسانية بأي صلة من الصّلات مهما كانت ضعيفة. وكيف لا تدمى قلوبهم ولا تهتزّ نفوسهم لهول ما يرون ولهول ما يشاهدون ؟! وكيف لا يهتزّ وجدانهم وهم يشاهدون المساكن تسقط وتنفجر على رؤوس أصحابها على مدار الساعة ؟! وكيف لا تهتزّ نفوسهم وهم يشاهدون الأشلاء تتطاير من هول الانفجارات ؟! وهم يشاهدون الجثث المتفحّمة والوجوه المشوّهة والأطراف المقطوعة والمتناثرة بين الركام ؟ وكيف لا يتأثرون ولا يهتزّ كيانهم وهم يرون كيف تباد عائلات بأكملها في لحظة زمن ؟ وهم يرون كيف تفقد الأمّ كلّ أولادها وكلّ حلمها في لحظة زمن ؟ وكيف لا تنخلع نفوسهم وهم يرون كيف تتجمّع وتستجمع كلّ جرائم الإنسانية وتختصر وترتكب في لحظة زمن ؟ وكيف تختصر كلّ مآسي الإنسانية وتنزل على غزّة في لحظة زمن ؟

فلقد أصبح العالم يعيش في زمن الاختصار. اختصار التاريخ والجغرافيا بأتمّ معنى الكلمة. فكلّ أحقاد الصهاينة وكلّ أحقاد الحاقدين والمستكبرين والمرضى والجاحدين على مدى التاريخ منذ فجر التاريخ وإلى يوم النّاس هذا جمّعت واستجمعت في قلوب الصهاينة المتحجّرة فزادتها حقدا على حقد وغلّا على غلّ، ثم اختصرت واستودعت في صواريخ، وألقيت بحقد شديد على أرض اختصرت كل الجغرافيا واختصرت كلّ آمال البشرية في التحرّر من الظلم والاستبداد والاستكبار العالمي وفي التحرّر من حقد وجنون الحاقدين والمجانين.

تعيش غزّة اليوم إذن مأساة حقيقية وكارثة فظيعة بكلّ مقاييس المأساة. وهذه لعمري وصمة عار على جبين الإنسانية قاطبة. هذه الإنسانية التي تمرّ اليوم بأزمة أخلاقية حادّة. فمأساة غزّة هي في الحقيقة انعكاس لما تتخبّط فيه الإنسانية من جاهلية جهلاء ومن انهيار مدوّ لصرح الأخلاق والقيم. فحتى أيام الجاهلية الأولى يوم كانوا يئدون الموؤودة لم يحدث أن استجار نفر ،يحاصرون ويذبّحون، بكبار القوم دون أن يجيروهم ودون أن ينتصروا لهم ويردعوا الجلّاد. واليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين نرى بأمّ العين كيف يستغيث أطفال ونساء غزّة ،كبار القوم ليلا نهارا، ولا من مجيب ! ! ! ولقد صدق الشاعر عندما قال :

أسمعت لو ناديت حيّا ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

لقد غمس الجميع رؤوسهم في التراب وهم ينتظرون انتهاء المشهد المأساوي لكي يرفعوا رؤوسهم تماما كما تفعل النعامة ! ! !

لقد نفّذ إذن بني صهيون ومجرمو العالم جرائمهم الفظيعة في غزّة ودمّروا أحياءا بأكملها وقتلوا وقتّلوا عائلات عن بكرة أبيها ثم تعذّروا بتعلّة نسف الأنفاق ومحاصرة ومحاربة الإرهابيين والمتطرّفين والصابئين. وتعذّروا في ذلك بكلّ أعذار المستكبرين والحاقدين والجاحدين على مرّ العصور. ولكن غزّة هاشم وغزّة الصمود وغزّة الإباء والعزّة وبفضل صمودها وصمود مجاهديها الأسطوري وشعبها المرابط تمكّنت من فضحهم وفضح جرائمهم الفظيعة والبشعة وعلى المباشر عبر أغلب وسائل الإعلام وأبلغتها إلى كلّ العالم. كما أنّها فضحت كلّ طغاة العالم العربي المنقلبين على الرّبيع العربي ثمّ هي فضحت كذلك قادة العالم « المتحضّر » الذي صدّع آذاننا ليلا نهارا بخطبه الرّنّانة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وخصوصا حقوق الطفل.

وكما يقول المفكّرون والمحلّلون السياسيون عبر العالم : لو لم ينقلب الإنقلابيون في مصر على الشرعية لما حصلت هذه الحرب وهذه الكارثة أو على الأقل لما حصلت بهذه القسوة وهذه الوحشية البربرية. وهذا دليل آخر على أنّ الانقلابيين في كلّ الدول العربية ليسوا من طينة هذه الأمّة. لذلك لا يجب أن يستأمنوا على هذه الأمّة ولا يمكن أن يصبحوا ممثّلين عنها بأية حال.

لذلك يمكن الاستنتاج بأنّ مسار الربيع العربي ومسار كفاح الشعب الفلسطيني هما وجهان لمسار واحد وأوحد. ولا يمكن تحرير فلسطين من براثن الصهاينة وبراثن الاستكبار العالمي دون تحرير الشعوب العربية وتوحيدها. ويوم ينتصر الرّبيع العربي سيزهر بالتأكيد في فلسطين وسيعانق بالتأكيد ربيع المقاومة الفلسطينية. ومن فلسطين ستختصر المسافات وسينطلق بإذن الله الربيع العالمي لتحرير الإنسانية من براثن أعداء الإنسانية الذين خانوا الأمانة لمّا سادوا والذين ملأوا الأرض ظلما وجورا وفسادا واستبدادا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :  » لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ , فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ , حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ , فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ , يَا عَبْدَ اللَّهِ , هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي , فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ».

قال الله تعالى : « وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ».

منجي المازني

Publié le 4 août 2014, dans مقالات. Bookmarquez ce permalien. Poster un commentaire.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :